تحليل سياسي

الشعور القومي الجريح: أزمة التنمية والمواطنة في السودان عند الدكتور الوليد مادبو

بقلم: العاقب الصافي

نبدأ بطرح هذا السؤال أملاً في أن يلقى حظه من النقاش، وهو: هل يمكن ترميم الشعور القومي الجريح قبل حسم الصراع حول طبيعة الدولة نفسها، وحول من يملك حق تعريف هويتها وتحديد شكلها وتوزيع السلطة والثروة داخلها؟

يناقش الدكتور الوليد آدم مادبو، في مقاله «الشعور القومي الجريح» المنشور في جزأين عام 2018، إشكالات التنمية والتعليم والحرية والدستور، وعلاقتها ببناء دولة المواطنة وتحقيق الانتماء القومي.

أولاً: أزمة التنمية تبدأ من طريقة التفكير

يرى مادبو أن تعثر التنمية في السودان لا يرتبط فقط بغياب السياسات التنموية، بل كذلك بالأطر الفكرية والأخلاقية التي تقوم عليها هذه السياسات. فالمشكلة، في نظره، ليست مجرد ضعف في التخطيط أو نقص في الإمكانات، وإنما أزمة في فهم الإنسان والمجتمع، وفي طبيعة العلاقة بين السلطة والمواطنين.

فالتنمية الحقيقية لا ينبغي أن تجعل الإنسان مجرد وسيلة لتحقيق أهداف تضعها النخب الحاكمة أو مجموعات تدّعي امتلاك المعرفة والحقيقة، بل يجب أن تكون غايتها صون كرامة الإنسان وتوسيع قدراته وتحسين شروط حياته.

ومن هنا، يربط الكاتب بين التنمية وبين العلم والقيم والسياسة، فالمعرفة العلمية تساعد المجتمع على فهم مشكلاته، والقيم الأخلاقية تضبط علاقاته، والسياسة تتيح إدارة المصالح والخلافات واتخاذ القرارات التي تمس حياة المواطنين.

ثانياً: العلم والحرية والدستور أساس لبناء الدولة

يطرح مادبو مجموعة من الشروط التي يرى أنها ضرورية لتطور المجتمعات، من بينها الاستثمار في المعرفة، وتكامل الأدوار داخل المجتمع، ووضوح المسؤوليات المؤسسية، وتطوير المؤسسات، وتوفير الحرية، والاحتكام إلى الدستور.

وتقوم هذه الرؤية على أن المجتمع لا يستطيع تحقيق التنمية إذا ظلت المعرفة منفصلة عن السياسة، أو إذا احتكرت السلطة عملية اتخاذ القرار، أو إذا غابت المؤسسات القادرة على تنظيم العلاقة بين الحقوق والواجبات.

فالحرية، في هذا السياق، ليست مجرد حق سياسي، وإنما شرط للإبداع والتفكير النقدي، والدستور ليس وثيقة شكلية تستخدمها السلطة لإضفاء الشرعية على قراراتها، بل إطار ينظم العلاقة بين المواطنين والدولة، ويحدد الحقوق والواجبات، ويتيح الانتقال من الجماعة التي يجمعها الانتماء الديني أو الثقافي إلى دولة يتساوى مواطنوها أمام القانون.

وبذلك تصبح الدولة الحديثة، في تصور الكاتب، قائمة على المواطنة والحقوق والمؤسسات، لا على الولاء للسلطة أو احتكار الحقيقة أو فرض تصور واحد للهوية الوطنية.

ثالثاً: التعليم والفقر وإعادة إنتاج التهميش

في الجزء الثاني، ينتقل مادبو إلى العلاقة بين التعليم والفقر، معتبراً أن اختلال هذه العلاقة من المشكلات التي تعيق تطور دول ما بعد الاستعمار.

فالتعليم، بحسب طرحه، لا ينبغي أن يقتصر على نقل المعلومات أو تأهيل الأفراد لسوق العمل، وإنما يجب أن يساعدهم على التفكير النقدي، وفحص الادعاءات، والتمييز بين المعرفة القائمة على الأدلة والخطاب الذي يوظف العاطفة أو يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة.

ويربط الكاتب بين طبيعة النظام التعليمي وقدرة المجتمع على المشاركة في التنمية والتحول السياسي. فالمجتمع الذي لا تتاح لأفراده فرص التعليم الجيد يصعب عليه بناء مواطنة واعية وقادرة على المشاركة في الشأن العام.

كما ينتقد التراتبية الاجتماعية التي تؤدي إلى حرمان مجموعات من حقوقها وفرصها، وتعيد إنتاج التفوق الثقافي والسياسي لمجموعة على حساب أخرى. وفي هذه الحالة، لا يصبح التفاوت مجرد فرق في الدخل أو مستوى الخدمات، بل يتحول إلى اختلال في المكانة والقدرة على التأثير في القرارات العامة.

ومن هنا، فإن معالجة الفقر لا يمكن أن تعتمد على زيادة النمو الاقتصادي وحدها؛ إذ ينبغي أن ترتبط بالعدالة والمساواة والمشاركة، وبإعادة النظر في السياسات التي تنتج الحرمان وتعيد إنتاجه.

رابعاً: أزمة القومية وغياب المشروع الوطني المشترك

يربط مادبو بين الشعور القومي وبين قدرة السودانيين على بناء مشروع وطني يستوعب اختلافاتهم ويمنحهم إحساساً بوحدة المصير.

فحين تُدار الدولة بطريقة تراتبية، وتُحتكر السلطة والفرص، ويتحول الاختلاف إلى سبب للإقصاء، تضعف إمكانية بناء انتماء وطني مشترك. وتصبح السياسة ساحة للصراع على النفوذ والمصالح بدلاً من أن تكون مجالاً للتوافق والتفاوض والتعايش.

ويشير الكاتب إلى أن الأزمة السودانية تحتاج إلى رؤية أخلاقية وسياسية قادرة على بناء حد أدنى من الاتفاق حول البرامج، وحد أوسع من التوافق حول مستقبل البلاد.

وفي هذا الإطار، يعطي أهمية لدور الشباب والقيادات الجديدة، ولقدرتهم على تجاوز احتكار الأجيال والقيادات التقليدية للشأن الوطني، وبناء علاقات تعاون بين مختلف مناطق السودان وقواه الاجتماعية والسياسية.

ولا يقوم هذا المشروع، وفق ما يطرحه المقال، على إلغاء الاختلافات، بل على الاعتراف بها وإدارتها من خلال الحوار والعمل المشترك، بعيداً عن الوصاية والاحتكار.

خامساً: من الصراع المسلح إلى العمل المدني المشترك

يناقش مادبو كذلك العلاقة بين المركز والهامش، وينتقد اختزال الصراع في المواجهة العسكرية، مشيراً إلى أهمية أشكال النضال غير المسلح في تغيير السرديات السائدة حول النزاع.

فالصراع، في قراءته، لا يتعلق بالقوة العسكرية وحدها، بل يرتبط أيضاً بالقدرة على تفسير الواقع، وكشف علاقات الهيمنة، وبناء تحالفات اجتماعية وسياسية أوسع.

ويمنح الكاتب الشباب والقوى التقدمية والمثقفين دوراً في مراجعة السياسات التي أثرت بصورة أشد على بعض المجموعات السودانية، وفي تطوير حلول عملية لمعالجة الحرمان والتفاوت.

لكن هذا الدور لا يتحقق بمجرد تبني شعارات التغيير، بل يحتاج إلى عمل منظم، وتواصل بين القوى المختلفة، وقدرة على تحويل المطالب إلى برامج قابلة للتنفيذ.

ويؤكد هذا الطرح أن بناء الدولة لا يمكن أن يقوم على تغيير الأشخاص في مواقع السلطة وحده، وإنما يتطلب تغيير القواعد والمؤسسات والعلاقات التي تنتج الإقصاء وتمنع المشاركة المتساوية.

خاتمة: كيف نداوي جرح الشعور القومي؟

تتمثل الفكرة الأساسية في مقال مادبو في أن أزمة السودان أعمق من فشل الحكومات في تنفيذ المشروعات التنموية، فهي ترتبط بطبيعة الدولة، وبالعلاقة بين المعرفة والسلطة، وباختلال توزيع الحقوق والفرص، وبغياب شروط المواطنة المتساوية.

وتكمن أهمية المقال في ربطه بين قضايا تبدو منفصلة، مثل التعليم والفقر والحرية والدستور، باعتبارها عناصر مترابطة في عملية بناء الدولة والمجتمع.

لكن التحدي الذي يظل قائماً هو كيفية تحويل هذه الأفكار إلى مشروع سياسي ومؤسسي واضح؛ مشروع يضمن العدالة بين الأقاليم، ويمنع احتكار السلطة، ويحمي الحقوق والحريات، ويتيح للسودانيين المشاركة في تقرير مستقبلهم.

فالشعور القومي لا يُبنى بالدعوة إلى الوحدة وحدها، ولا بفرض هوية مشتركة على الجميع، وإنما ببناء دولة يشعر فيها المواطن أن حقوقه محفوظة، وصوته مسموع، وفرصه لا تتحدد بحسب انتمائه أو موقعه الجغرافي.

وعليه، فإن تجاوز أزمة الانتماء الوطني يبدأ من معالجة الأسباب التي جعلت قطاعات من السودانيين يشعرون بأن الدولة لا تمثلهم على قدم المساواة مع غيرهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى