تحليل سياسي

السلام التأسيسي: السودان و جيوبوليتيك القرن الأفريقي

الاستاذ: عبدالله ديدان

يدخل السودان إلى مرحلة يصبح فيها الموقع الجغرافي أهم من الاصطفاف السياسي التقليدي، فالسودان ليس دولة تقع على هامش القرن الأفريقي أو مجرد دولة وادي النيل الجنوبية لمصر، بل هو نقطة التقاء بين القرن الأفريقي وحوض النيل والبحر الأحمر ووسط أفريقيا ومنطقة الساحل، لذلك ينظر إلى مستقبل السودان الجيوسياسي من خلال رؤية إسترتيجية جديدة، تمكنه من تطوير قدراته الوطنية على تحويل هذا الموقع من مجال للتنافس الخارجي إلى مصدر لقوته الوطنية الداخلية والتكامل الإقليمي، هذا يعني إعادة تعريف علاقاته مع إثيوبيا ومصر وجنوب السودان والانفتاح بصورة أوسع على العمق الأفريقي، دون أن يتحول هذا الانفتاح إلى عداء مع أي طرف.

المعادلة الجديدة لا تقوم على إنتقال السودان من نفوذ دولة إلى نفوذ دولة أخرى، إنما على التحول من سياسة التبعية إلى سياسة المصالح المتوازنة ومركزيتها المصلحة الوطنية السودانية، فالسودان الذي ظل تاريخيا يتحرك داخل ثنائية وادي النيل، حيث ظلت العلاقة مع مصر تشكل محددا مركزيا لخياراته الخارجية فى تبعية مدمرة، يمتلك في الواقع مجال أوسع من مصر بكثير، له حدوده المشتركة مع سبع دول وإمتداده من البحر الأحمر إلى قلب أفريقيا، فهي تشكل إتصاله الجغرافي والاجتماعي المفتوح بجنوب السودان وإثيوبيا وتشاد وليبيا وأفريقيا الوسطى، مما يمنحه وظيفة جيوسياسية لا يمكن اختزالها في العلاقة مع القاهرة التى تعتبره تابعا لها ومخزون للموارد بالنسبة لها، كما أن القاهرة دوما تري بان شعوب السودان لا تستحق أن تتحرر وتنعم بمواردها وسيادتها بإستقلال تام عن السيطرة المصرية، نعم العلاقة السودانية المصرية ستظل مهمة بالشكل الطبيعي للعلاقات بين الدول كاملة السيادة والاستقلال وأهميتها تأتي بحكم الجوار و الجغرافيا ومسائل إدارة المياه، وهو الشئ الذي لا يمنح مصر أي ميزة أخري كدولة جارة للسودان لذلك أهمية هذه العلاقة لا تعني أن تكون مصر هي الإطار الذي تعرف من خلاله الخرطوم علاقاتها الأفريقية والخارجية الاخري، كما أن مفهوم “التحرر من النفوذ المصري” ينبغي أن يكون سياسيا وسياديا بإعتباره إستقلال في صناعة القرار السوداني، وليس قطيعة مع مصر كدولة جارة، يحدد حجم علاقة السودان بها، قيمة ووزن المصالح التى يحققها، فالسودان يحتاج إلى علاقة ندية مع القاهرة، تقوم على المصالح المتبادلة وعدم التدخل، بدلا عن علاقة تجعل خياراته تجاه إثيوبيا أو جنوب السودان أو البحر الأحمر امتداد لحسابات الأمن القومي المصري.
وهنا تبرز أهمية العلاقة بين السودان وإثيوبيا بإعتبارها أحد أهم مفاتيح إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية السودانية فى القرن الأفريقي وحسابات المصالح الوطنية، السودان وإثيوبيا يتشاركان حدود طويلة تزخر بالتنوع المناخي والبيىئ ومجاري الانهار و بينهما تداخل سكاني وإقتصادي واسع ومصالح زراعية وتجارية، كما يرتبط البلدان بمنظومة النيل وروافده والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، غير أن العلاقة بين السودان وإثيوبيا ظلت لسنوات طويلة خاضعة للهيمنة المصرية على القرار السوداني، الذي هو بيد الجيش والنخبة السياسية وريثة دولة المستعمر وكلاهما تحت سيطرة التبعية لمصر، إذا أخذنا مستقبل علاقتنا مع أثيوبيا من منظور سوداني مستقل، نجد أنه يمكن تحويل العلاقة مع إثيوبيا من علاقة تتأثر دائما بالخلاف المصري الإثيوبي حول النيل ومؤخرا سد النهضة إلى شراكة سودانية إثيوبية متعددة الملفات تشمل التجارة، والزراعة، والطاقة، والربط البري، والأسواق الحدودية، والأمن الحدودي، وإدارة الموارد المشتركة وطريقا للسودان الو عمق القرن الأفريقي.
يمتلك السودان في هذه المعادلة ميزة إستراتيجية نادرة، إثيوبيا دولة ذات كتلة سكانية وإقتصادية كبيرة لكنها دولة حبيسة، بينما يمتلك السودان ساحلا طويلا على البحر الأحمر وموانئ وامتداد بري نحو العالم العربي وأفريقيا وفي المقابل تمتلك إثيوبيا سوقا ضخمة وعمقا سكانيا واقتصاديا وموقعا مركزيا في القرن الأفريقي، لذلك يمكن أن يتحول السودان وإثيوبيا من دولتين تتجاذبهما صراعات مصر وسيطرتها على القرار السوداني إلى طرفين في منظومة جيو- سياسية إقتصادية متكاملة، إذا جرى فصل المصالح الثنائية بينهما عن مصر.
مثل هذا التحول سيكون أكثر أهمية في ظل سعي إثيوبيا إلى توسيع خياراتها البحرية والتجارية، وهو ملف أصبح من أكثر الملفات تأثيرا في توازنات القرن الأفريقي والبحر الأحمر ويمكن أن يلعب فيه السودان المستقل سياسيا بقراره الوطني، دور جيو – سياسي كبير لصالح مصالحه وأمن القرن الأفريقي والبحر الأحمر، كما أن التوترات المتصاعدة في الإقليم، بما فيها عودة القتال في تيغراي والتوتر الإثيوبي الإريتري، تجعل إستقرار الحدود السودانية الإثيوبية مسألة تتجاوز البلدين إلى الأمن الإقليمي بأكمله والسودان المستقل عن التبعية لمصر، يمكنه أن يلعب دورا جوهريا فى هذه التطورات لصالح إستقرار المنطقة بعيدا عن التدخلات المصرية التي تشعل الصراع فيها بغرض إضعاف إثيوبيا وإستمرار نهبها لموارد السودان ومصادرة قراره الوطني.
في هذا السياق، يصبح جنوب السودان جزءا أساسيا من الرؤية الجديدة للسودان المستقل، فالعلاقة بين الخرطوم وجوبا لا ينبغي أن تعني فقط بمسائل النفط أو الحدود أو الملفات الأمنية، بل على حقيقة أن الدولتين تمثلان فضاءا إقتصاديا وإجتماعيا متصلا، البلدان يتشاركان حدودا طولها أكثر من ألفي كلم وبينهما تداخل إحتماعي وثقافي مهول، هذا فضلا عن تاريخ مشترك لا تنفصل عراه، لذلك فالسودان المستقل وحر الإرادة، يعتبر هو المنفذ الطبيعي لجنوب السودان إلى البحر الأحمر والأسواق الخارجية، كما أن يمثل جنوب السودان يمثل للسودان بوابة مهمة نحو وسط وشرق أفريقيا، من ثم فإن تطوير الطرق والسكك الحديدية والتجارة الحدودية وخطوط النفط والموانئ النهرية بين البلدين، يمكن أن يحول العلاقة من علاقة مرتبطة بالأزمات إلى شراكة إستراتيجية طويلة المدى، والأهم أن التعاون السوداني مع جنوب السودان يفتح للسودان طريقاً مختلفا نحو أفريقيا، فبدلا من النظر إلى السودان بإعتباره دولة تقع في الطرف الجنوبي للعالم العربي، يمكن إعادة تقديمه بإعتباره دولة أفريقية محورية بحكم الجيو- بوليتك، تصل بين شمال أفريقيا والقرن الأفريقي وشرق ووسط أفريقيا، هذه ليست مجرد إعادة صياغة ثقافية أو تصورات مجردة عن الواقع، فالسودان بحكم موقعه يستطيع أن يكون جسر تجاري بين إثيوبيا وجنوب السودان وتشاد وأفريقيا الوسطى من جهة، والبحر الأحمر والموانئ والأسواق العربية من جهة أخرى وهذا يخلق فضاءا جديدا للتعاون العربي الأفريقي عبر السودان بعيدا عن الهيمنة المصرية على القرار السوداني.
بذلك تصبح العلاقة مع إثيوبيا وجنوب السودان جزءا من مشروع أوسع لإعادة بناء العمق الأفريقي للسودان، بحيث يمكن أن تمتد هذه الرؤية إلى تشاد وأفريقيا الوسطى وكينيا وأوغندا، ثم إلى منظومات الإيقاد والاتحاد الأفريقي ومنطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، وتملك الإيقاد أصلا إطارا للنظر إلى البحر الأحمر وخليج عدن باعتبارهما مجالا للتعاون والتكامل الإقليمي، ويضم هذا الإطار السودان وإثيوبيا وجنوب السودان إلى جانب بقية دول المنطقة.
أما البحر الأحمر، فيمنح السودان بعدا إسترتيجيا على المستويين الإقليمي والدولي، فالمنافسة على البحر الأحمر لم تعد مسألة موانئ فقط، فهي أصبحت منافسة شرسة و مرتبطة بالطاقة والتجارة العالمية والأمن البحري والممرات الدولية والعلاقات بين القرن الأفريقي والخليج والشرق الأوسط وكل قارات العالم ومراكز القوي الدولية، لذلك فإن امتلاك السودان ساحلا بحريا لا ينبغي أن يترجم إلى مجرد تأجير الموانئ أو إستضافة قواعد أو الدخول في محاور أمنية، بل يجب أن يتحول إلى إستراتيجية بحرية وطنية تجعل ميناء بورتسودان وسائر الموانئ السودانية جزءاً من اقتصاد وطني وإقليمي متكامل وأن يكون السودان مركزا إقليما ودوليا من مراكز أمن البحر الأحمر وهذا يوسع من مصالح السودان وأدواره فى القرار الإقليمي والدولي.
وفي هذا الإطار، يجب على السودان الجديد أن يعيد تعريف علاقته بمصر ، فالقاهرة ستظل جارة طبيعية لا دخل لها بالشأن السوداني، كما يمكن أن يقيم السودان بعض الشراكات معها فى حدود مصالحه، وهي الشراكة التى يمكن أن تصبح أكثر فائدة للبلدين، عندما تقوم على الإعتراف بأن للسودان مصالح مستقلة مع إثيوبيا وجنوب السودان والبحر الأحمر وأفريقيا والعالم وأن تعرف مصر بأنها ليست طرفا فى هذه الأمور، كما أن علاقة التكامل السودانية مع الإثيوبية لا تعني بالضرورة تهديد الأمن المائي لمصر أو غيرها، كما أن التعاون مع مصر لا يستوجب تبني السودان للموقف المصري في القضايا الإقليمية والدولية، فالاستقلال الحقيقي للسودان في السياسة الخارجية، هو القدرة على التعامل مع كل طرف وفق المصلحة السودانية في كل ملف، وهذا بالضرورة يفرض تحولا في مفهوم الأمن القومي السوداني نفسه، لأن الأمن القومي لا ينبغي أن يختزل في أن السودان هو العمق الجنوبي لمصر وأنها تستخدم السودان فى مواجهة التهديدات التى تعنيها هي كمصر، بل ينبغي أن تقوم رؤية السودان الجديد لأستراتيجية أمنه القومي على الاستقلالية المطلقة وحسابات مصالحه المجردة من أمن مصر، فأمن البحر الأحمر، وإستقرار الحدود الشرقية والجنوبية وأمن المياه والغذاء والطاقة وحماية طرق التجارة وإدارة الموارد العابرة للحدود ومنع استخدام الأراضي السودانية في الصراعات الإقليمية، في منطقة تتداخل فيها أزمات السودان وإثيوبيا وإريتريا وجنوب السودان والبحر الأحمر، يصبح الأمن السوداني مرتبطا بصورة مباشرة بالأمن الإقليمي للقرن الأفريقي ودول الجوار الغربي الاخري، أكثر من مصر التى باتت تشكل واحدة من معيقات إستقرار السودان والقرن الأفريقي.
المستقبل الجيوسياسي للسودان، بالتالي، لا يعمل على الإنتقال من المجال العربي إلى المجال الأفريقي كاختيار صفري، لكنه المسار الأكثر اتساقا مع موقع السودان الجيو – سياسي، أي بناء سياسة متعددة الدوائر، علاقة مستقلة ومتوازنة مع مصر، شراكة إستراتيجية وشاملة مع إثيوبيا ، تكامل عميق مع جنوب السودان، إنفتاح اقتصادي وأمني على شرق ووسط أفريقيا، وحضور فاعل في مؤسسات الاتحاد الأفريقي والإيقاد، مع توظيف البحر الأحمر كبوابة إقتصادية وسيادية.
فالسودان الذي يعيد إكتشاف موقعه، لن يكون مجرد دولة بين مصر وإثيوبيا، بل دولة تربط بينهما وبين جنوب السودان وتشاد وأفريقيا الوسطى والبحر الأحمر وهذه النقلة تعني الإنتقال من جغرافيا فرضت على السودان أدوارا محدودة إلى جغرافيا سياسية يصنع السودان من خلالها دوره ويقرر مصالحه، علما بأن الموقع الجيوسياسي لا يتحول تلقائيا إلى نفوذ، ذلك لان النفوذ يتحقق عندما تمتلك الدولة رؤية مستقلة، مؤسسات قادرة، إقتصاداً متصل بعلاقات مصالح تحكها مصالح وطنية وسياسة خارجية لا تتحكم فيها مصالح دولة دولة أخري مثلما تفعل مصر مع الدولة السودانية الموروثة من المستعمر.
في النهاية، فإن مستقبل السودان في القرن الأفريقي مرهون بقدرته على تحويل التعدد الجغرافي إلى تعدد في الشراكات وتحويل تعدد الشراكات إلى استقلال في القرار فعندما يصبح السودان علاقات إقتصادية وإستراتيجية واسعة بجنوب السودان ومتعاونا إقتصاديا و إستراتيجيا مع إثيوبيا ومنفتح على شرق ووسط أفريقيا ومتوازن ومستقل في علاقته مع مصر ولديه رؤية إستراتيجية لمصالحه وأمن البحر الأحمر، فإن موقعه لن يكون مجرد نقطة على خريطة الصراع الإقليمي، بل يمكن أن يصبح أحد مفاتيح إعادة تشكيل التوازنات في القرن الأفريقي والإقليم، وهذا ما يجب علينا أن نضعه نصب أعيننا في رؤيتنا لصناعة السلام التأسيسي لتحقيق الدولة السودانية الجديدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى