أدب وفلسفةتحليل سياسي

كتاب ذكريات بابو نمر لفرانسيس دينق

تلخيص: العاقب الصافي

ذكريات بابو نمر ليست مجرد سيرة شخصية للناظر بابو نمر، وإنما شهادة على جانب مهم من تاريخ المجتمع السوداني، خصوصاً في منطقة التماس بين المسيرية والدينكا، وعلى طبيعة الإدارة الأهلية والعرف والعلاقات التي نشأت بين الجماعات المختلفة في الريف السوداني

يظهر بابو نمر في الكتاب بوصفه ناظراً لقبيلة المسيرية وشخصية تتمتع بسلطة اجتماعية وسياسية ومصدر هذه السلطة هو العرف والقبول الاجتماعي وقدرته على إدارة النزاعات وحفظ التوازن داخل مجتمعه ومع الجماعات المجاورة.

ومن أهم ما يلفت النظر في شهادته علاقته بالدينكا، وخصوصاً علاقته بدينق مجوك. فالعلاقة بين المسيرية والدينكا، كما تظهر في ذكريات بابو نمر، لم تكن علاقة حرب دائمة وانما كانت هناك صراعات واحتكاكات حول الأرض والمياه والماشية، لكن كانت هناك أيضاً علاقات جوار وتجارة ومصالح مشتركة وتفاهمات تسمح للطرفين بالعيش والتعامل معاً.

وكانت الإدارة الأهلية تؤدي دوراً مهماً في ضبط هذه العلاقات. فالناظر والعُمد والشيوخ لم يكونوا مجرد ممثلين إداريين، بل كانوا جزءاً من نظام اجتماعي متكامل يقوم على العرف والجودية والديات والتسويات. وعندما تقع جريمة قتل أو نزاع، لم يكن الهدف دائماً هو الانتقام، بل كان هناك نظام للتعويض والمصالحة يحاول منع الحادث الفردي من التحول إلى حرب بين الجماعات.

وتكشف تجربة بابو نمر أن الجودية والديات لم تكن مجرد تقاليد اجتماعية بسيطة، بل كانت أدوات عملية لحفظ السلم الأهلي في مجتمع لا تستطيع الدولة الحديثة الوصول إلى كل تفاصيله.

كما يتحدث الكتاب عن فترة الحكم البريطاني، التي يرى بابو نمر أنها استخدمت الإدارة الأهلية وسيلة للحكم والسيطرة. ومن هنا تأتي عبارته الشهيرة عن الحكم الإنجليزي باعتباره «القيد الحريري»؛ فهو قيد، لكنه كان ناعماً وغير ظاهر بالشكل الذي يجعل الناس يشعرون به دائماً كقوة قمع مباشرة.

فقد حافظ البريطانيون على جزء كبير من البنية التقليدية للمجتمع، واستخدموا النظار والعُمد والشيوخ في إدارة السكان. وبذلك أصبحت الإدارة الأهلية حلقة وصل بين الدولة والمجتمع، لكنها في الوقت نفسه أصبحت جزءاً من نظام استعماري أوسع.

وتظهر في ذكريات بابو نمر كذلك تحولات السودان السياسية، من الحكم التركي المصري إلى المهدية ثم الحكم البريطاني فالاستقلال. إلا أن أهمية هذه الأحداث في الكتاب لا تأتي باعتبارها تاريخاً سياسياً مجرداً، وإنما من خلال تأثيرها على حياة الناس وعلى السلطة المحلية والعلاقات الاجتماعية.

ومن خلال شهادة بابو نمر يمكن ملاحظة أن الدولة المركزية لم تكن دائماً هي القوة الوحيدة التي تنظم حياة الناس. ففي مناطق واسعة من السودان كانت الأعراف والإدارة الأهلية وشبكات القرابة والعلاقات بين القبائل تقوم بوظائف أساسية في الأمن والصلح وتنظيم الموارد.

ولهذا يصبح قرار إلغاء الإدارة الأهلية بعد الاستقلال نقطة مهمة في قراءة الكتاب. فمع إلغاء النظام سنة 1970، حدث فراغ في بعض الوظائف التي كانت تؤديها القيادات التقليدية. وبحسب رؤية بابو نمر، فإن المشكلة لم تكن ببساطة في وجود الإدارة الأهلية أو غيابها، وإنما في إلغاء مؤسسة اجتماعية كانت تؤدي وظائف حقيقية دون بناء بديل قادر على القيام بهذه الوظائف.

وتقدم تجربة بابو نمر أيضاً صورة مختلفة عن العلاقة بين المركز والأطراف. فالدولة كثيراً ما تنظر إلى المجتمعات الطرفية باعتبارها تحتاج إلى الإدارة من المركز، بينما تكشف تجربة الإدارة الأهلية أن هذه المجتمعات كانت تمتلك أنظمة محلية للسلطة والتنظيم وحل النزاعات، حتى وإن كانت هذه الأنظمة تحمل مشكلاتها وحدودها.

والكتاب في جوهره شهادة على مجتمع كان يستطيع، عبر العرف والعلاقات الاجتماعية والقيادات المحلية، أن يدير كثيراً من تناقضاته. لكنه يكشف في الوقت نفسه أن هذه الآليات لم تكن كافية دائماً، وأن تغير الدولة والحرب والاقتصاد والعلاقات السياسية كان يضغط باستمرار على النظام الاجتماعي القديم.

وتبرز أهمية الكتاب اليوم في أنه يساعد على فهم أن الصراع في السودان لم يكن دائماً نتيجة اختلاف القبائل أو الجماعات في حد ذاته، وإنما كثيراً ما أصبح خطيراً عندما ضعفت المؤسسات التي كانت تنظم هذا الاختلاف وتمنع النزاع المحلي من التحول إلى صراع واسع.

الخلاصة

ذكريات بابو نمر هو كتاب عن السلطة والمجتمع والعرف والتعايش بقدر ما هو كتاب عن شخص واحد.

ومن خلال سيرة بابو نمر وعلاقته بالمسيرية والدينكا، يقدم فرانسيس دينق مادة مهمة لفهم الإدارة الأهلية وطبيعة العلاقات في مناطق التماس، وكيف كانت الجودية والديات والقيادات المحلية تساهم في منع الثأر وتحويل النزاعات إلى تسويات.

كما يكشف الكتاب المفارقة الأساسية في تجربة الإدارة الأهلية: فقد استخدمها الاستعمار كأداة للحكم، لكنها في الوقت نفسه كانت مؤسسة اجتماعية حقيقية تؤدي وظائف لا يمكن تجاهلها. ولذلك فإن إلغاءها دون بناء مؤسسات بديلة ترك، في نظر بابو نمر، فراغاً انعكس على الأمن والعلاقات الاجتماعية.

وفي النهاية، لا تقدم ذكريات بابو نمر حكاية عن مجتمع خالٍ من الصراع، وإنما عن مجتمع امتلك أدواته الخاصة لإدارة الصراع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى