
يأتي هذا الكتاب (اتفاقيات السلام في السودان ، قراءة تحليلية) للكاتب موسى ادريس عامر، في لحظة حرجة من تاريخ السودان السياسي والاجتماعي، إذ تكثر الأسئلة وتتعدد الاجتهادات بشأن جدوى عمليات السلام السابقة ومالاتها، وتتقاطع التحليلات حول ما إذا كانت اتفاقيات السلام التي وُقعت منذ الاستقلال وحتى اتفاق جوبا للسلام في عام 2020 قد نجحت فعلاً في معالجة جذور النزاع، أم أنها كانت مجرد محاولات مؤقتة لاحتواء الانفجارات المسلحة وتسكين الأزمات المتراكمة دون علاجها بشكل جذري ونهائي.
وعليه، فإن هذا العمل الذي بين أيديكم يمثل محاولة جادة ومختلفة للخوض في مسألة اتفاقيات السلام في السودان، لا من باب التوثيق السردي وحده، بل من باب التحليل المعرفي والتفكيك السياسي والاجتماعي لهذه الاتفاقيات، من حيث مضمونها وسياقاتها وأطرافها وأهدافها ومالاتها، سواء تلك التي جرى التوقيع عليها في أوقات الاستقرار النسبي، أو تلك التي جاءت في خضم الفوضى والانقلابات والانتفاضات.
لقد استعرض المؤلف، الباحث موسى إدريس عامر ، مسار اتفاقيات السلام السودانية منذ مؤتمر المائدة المستديرة في ستينيات القرن الماضي، مرورًا باتفاقية أديس أبابا عام 1972، ثم اتفاق الميرغني-قرنق، ومقررات مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية، واتفاقية السلام الشامل في نيفاشا 2005 ، ثم أبوجا، فالدوحة، وصولًا إلى اتفاق جوبا للسلام في عام 2020. وقدّم لكل مرحلة تحليلاً دقيقًا ومتماسكًا، واضعًا في الحسبان توازنات القوى، وشروط السياق الداخلي والخارجي، وما أفرزته كل اتفاقية من نتائج سياسية، وماذا أضافت أو لم تضف إلى معادلة بناء الدولة السودانية، وكيف تفاعلت مع قضايا الهوية والمواطنة والعدالة وتقاسم السلطة والثروة.
ما يميز هذا الكتاب هو أنه لا يقف عند حدود الوصف والتوثيق، بل يُخضع كل تجربة سلام للقراءة النقدية الموضوعية، مستعينًا بمنهج تحليلي رصين يستند إلى المصادر الأولية والثانوية، ويستصحب الخلفية التاريخية والاجتماعية والاقتصادية للنزاع، مع إحاطة عميقة بمواقف الأطراف المتفاوضة ومصالحها وأجنداتها الظاهرة والمضمرة. كما لا يغفل الكتاب الأدوار الإقليمية والدولية، وتدخلات الوسطاء، وارتباط عمليات التفاوض بتغيرات النظام الإقليمي والدولي، من الحرب الباردة إلى ما بعد 11 سبتمبر، ثم موجة الانتفاضات والتحولات السياسية في القرن الأفريقي.
لقد تمكن المؤلف من الكشف عن عمق الأزمة البنيوية التي يعاني منها السودان، والتي تتمثل في غياب مشروع وطني جامع، وفشل النخب السياسية والعسكرية في الاتفاق على عقد اجتماعي يعكس التعدد الثقافي واللغوي والاثني في البلاد، واستمرار المركزية المفرطة كأداة للهيمنة والتهميش، وما ينتج عنها من تمردات متكررة، واتفاقيات لا تصمد طويلاً لأنها لا تُبنى على معالجة الجذور بل على محاصصة النخب.
كما يلفت المؤلف النظر إلى أن بعض الاتفاقيات كانت تمثل محاولة لتدوير الأزمة، وإعادة إنتاج الأزمة الوطنية في شكل تفاهمات فوقية، بعيدًا عن مشاركة القوى الاجتماعية الحقيقية، مثل النساء والشباب والمجتمعات المحلية المتأثرة مباشرة بالحرب، ما يجعل نتائج تلك الاتفاقيات قصيرة الأجل وهشة، ولا تؤسس لسلام مستدام.
يولي الكتاب اهتمامًا خاصًا باتفاقية جوبا للسلام التي رعتها حكومة جنوب السودان، نظرًا لحداثتها وسعة تمثيلها للعديد من الفصائل المسلحة من دارفور والمنطقتين والشرق والشمال، ويرصد بذكاء التحديات التي تواجه تنفيذها، سواء من جهة ضعف الإرادة السياسية، أو الأزمة الاقتصادية، أو هشاشة البنية الأمنية، أو انقسام الحاضنة السياسية، أو تصاعد الاحتجاجات الرافضة للاتفاق في بعض الأقاليم، فضلًا عن السياق الإقليمي والدولي المضطرب.
ويكشف الكاتب كيف أن توقيع اتفاق جوبا جاء في ظل ضعف الدولة المركزية بعد الثورة، مما دفع بالعديد من الكيانات الجهوية للمطالبة بمسارات خاصة، الأمر الذي جعل من الاتفاق أشبه بخريطة مطالب جهوية متفرقة أكثر من كونه عقدًا وطنيًا موحدًا لبناء السلام.
كما أن المؤلف لا يغفل عن التحديات التي واجهت اتفاقية نيفاشا، رغم أنها شكلت تحولًا كبيرًا في مسار النزاع السوداني، لكنها فشلت في خلق وحدة جاذبة، بل انتهت إلى انفصال جنوب السودان، وتفجر النزاع لاحقًا في المنطقتين. ويبين الكاتب أن بروتوكولات نيفاشا كانت قائمة على مبدأ الثنائية بين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني، دون إشراك القوى السياسية والمدنية الأخرى، مما جعل الاتفاق هشًا في بنيته، ومحدودًا في أثره على إصلاح مؤسسات الدولة أو إعادة توزيع السلطة والثروة بشكل عادل.
لقد استطاع المؤلف أن يقدم قراءة شاملة لمسارات التفاوض، وكيف أن الكثير منها خضع لمعادلات خارجية، وضغوط دولية، ووساطات لم تكن دائمًا محايدة، بل كانت تعكس مصالح الدول الراعية، وهذا ما جعل بعض الاتفاقيات، مثل أبوجا أو الدوحة، تبدو وكأنها اتفاقيات فنية أكثر من كونها سياسية شاملة.
ومن خلال تحليل عميق، يُظهر الكتاب أن غياب الآليات الفعالة لتنفيذ الاتفاقيات، وعدم وجود إرادة مشتركة من أطراف النزاع، بالإضافة إلى ضعف البنية التشريعية والقضائية، كلها عوامل ساهمت في إعادة إنتاج الحروب. ويؤكد الكاتب أن غياب العدالة الانتقالية، وعدم محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، خاصة في دارفور، أضعف من فرص المصالحة الوطنية، وأبقى على شعور الظلم، وأفشل فرص البناء على أي تسوية.
يستحق هذا العمل أن يُقرأ بتأنٍّ من قبل الباحثين والطلاب وصناع القرار والناشطين في مجالات السلام وحقوق الإنسان، لأنه لا يقدم مجرد عرض تاريخي لاتفاقيات السلام، بل يقدم منظورًا ناقدًا يستند إلى تحليل معقد للواقع السوداني، ويقترح ضمنيًا ضرورة التفكير في اتفاق سلام شامل جديد، يتجاوز منطق النخبة إلى منطق المشاركة الشعبية، ويتأسس على مبادئ العدالة، والشفافية، والمحاسبة، واحترام التعدد.
يشكل هذا الكتاب ايضا في تقديري الخاص، دعوة للتأمل في مسار الدولة السودانية نفسها، وكيف أن الخلل البنيوي في طبيعة الدولة، ونمط السلطة، والعلاقة بين الدين والسياسة، والتمييز بين المركز والهامش، ظل يعيد إنتاج الأزمات، وأن أي اتفاق سلام لا يطرح سؤال الدولة من جذوره، سيظل حلاً مؤقتًا لا أكثر.
إن هذا العمل الذي سطره الباحث موسى إدريس عامر بجهد واضح وبلغة دقيقة وتحليل متماسك، يُعد مرجعًا هامًا لكل من يرغب في فهم تعقيدات النزاع السوداني، وسبر أغوار الفشل المتكرر لعمليات بناء السلام، ويطرح بصيغة غير مباشرة معادلة مفادها أن السلام الحقيقي لا يُنتج بالتفاوض وحده، بل بإعادة صياغة مفهوم الدولة الوطنية على أسس جديدة.
ومن هنا، فإنني أقدم هذا الكتاب إلى القارئ السوداني والإفريقي والعربي ، باعتباره مادة ضرورية لفهم ما جرى، وما يجري، وربما ما سيجري، في السودان، إذا لم تتم إعادة التفكير في جوهر الأزمة. إن هذا الكتاب لا يكتفي برصد المسارات، بل يدعو إلى إعادة النظر فيها، وتجاوزها نحو بناء سلام عادل وشامل ومستدام، يضع الإنسان السوداني في المركز، ويمنح الأمل لجيل جديد من السودانيين يؤمنون بإمكانية بناء وطن يتسع للجميع.



