
الدولة التأسيسية ليست الدولة التي تأتي بعد الحرب، إنما أعني بها الدولة التي تنهي الشروط التي تجعل الحرب إحدي أدوات المطالبة بالحقوق، بهذا المعنى، فإن التأسيس لا يعني إعادة تشغيل مؤسسات الدولة التي دمرتها الحرب ولا إستبدال سلطة بأخرى ولا صياغة دستور جديد فحسب، لكن التأسيس يعني الإنتقال من مسألة من يحكم الدولة إلى قضية أكبر ، وهي ماهي الدولة التي تجعل الحكم ممكنا من دون أن يتحول إلى صراع على إمتلاكها وإقصاء الآخرين أو قهرهم ليبقوا تابعين وفقا لشروط الفئة المسيطرة، فالأزمة لم تكن يوما في غياب من يحكم الدولة، طالما هناك من هو قادر على فرض سطوته بالقوة الإنقلابية العسكرية أو بالورثة من المستعمر أو بالاحتيال والتغيب وفرض واقع، يجعل معظم الشعوب السودانية خاضعة للمركز الذي ورثه وطور آليات عمله المدمرة، لكن الأزمة تكمن فى عدم تأسيس دولة وطنية مكتملة الإستقلال ومؤسسة على عقد سياسي وأخلاقي متوافق عليه بين كل الشعوب السودانية، لذلك ظلت الدولة في كل مراحلها عبارة عن جهاز للسلطة ولم تكن يوما مؤسسة لكل الشعوب السودانية بتنوعها وتعددها الكبير، فأصبح الوصول إليها، أي الدولة، غاية للصراع بدل من أن تكون إطار محايد يتنافس الناس سياسيا وبرامجيا لإدارته وفق مبادئ الديمقراطية والمساواة وعدالة الفرص، هنا تأتي رؤيتنا لمفهوم الدولة التأسيسية التي هي إعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والمجتمع على قاعدة الشرعية الوطنية المتفق عليها لإنشاء دولة وطنية جديدة فى بلادنا.
وهي الدولة التى لا تأتي شرعيتها من القوة الموروثة من المستعمر ولا من الغلبة ولا من التاريخ ولا من إمتلاك السلاح ولا من مجرد السيطرة على مؤسسات الحكم بإنقلاب عسكري تآمري بين الجيش والأحزاب السياسية، إنما هي الدولة التى مصدرها هو العقد الاجتماعي الجديد والدستور والمواطنة والإرادة العامة للشعوب السودانية منتجة ومالكة تعريف مفهوم الوطن والوطنية، بذلك تنتقل الدولة كقيمة وطنية متكاملة من كونها مجال تتصارع داخله القوى إلى كونها المرجعية التى تحتكم إليها هذه القوى وفق مبادئ المساواة فى الحقوق والواجبات وتحت مظلة المواطنة كتعريف نهائي لمن هو السوداني دون تمييز من أي نوع، لذلك الدعوة لمفهوم السلام التأسيسي، قد تبدو فى ظاهرها نوعا من اللغة السياسية البسيطة، لكنها فى حقيقة الأمر، تمثل تحول جذرييًفي الفكر السياسي السوداني وكيفية صناعة الإستقرار المستدام وإنهاء أزمة دولة اللامواطنة التى تتجلي بإستمرار فى تاريخنا الدموي والذي جعل من بعض الناس سودانيين يملكون الدولة والأغلبية توابع يعانون مواطنة منتقصة وكأنها صدقة وليس حقا أصيلا للجميع.
في الدولة التأسيسية لا يكون الصراع حول هوية من يحكم ، لأنها دولة مؤسسة على مبادئ عليا تضع حدود سلطة الحكم، بحيث لايكون الجيش جسما سياسا حاكما أو يمتلك حزب تعريفا يخصه للشرعية أو يكون للقبيلة أو الطبقة أو الجهة أو الثقافة أو الدين تعريفا حصريا للشرعية تفرضه على الآخرين كما هو فى الدولة السودانية الموروثة من المستعمر، تلك الدولة التى لا تعترف بمواطنة كل السودانيين، فالسلام التأسيسي الذي ننشده لبلادنا، هو عملية سياسية جديدة للدولة التى يشكل فيها الجميع مكونات داخل الدولة على قدم المساواة وتتشكل الدولة من الجميع ، بحيث لا أحد يصبح مالك للدولة، لأنه عربي أو أفريقي أو مسلم أو مسيحي أو غيره من أوجه التنوع السوداني، فإن أهم ما تؤسسه الدولة السودانية التأسيسية هو السيادة العامة وتفكيك سيادة النخب وريثة دولة الإستعمار التى خلفها غنيمة لها وليس لكل السودانيين.
مفهوم السيادة فى السلام التأسيسي، لا يعني فقط إستقلال السودان عن الخارج، لكنه بصورة جوهرية أن تكون داخل الدولة سلطة قانونية واحدة ومؤسسات دولة واحدة ليست متعددة اقطاب الملكية وقواعد واحدة، لأنه لا يمكن أن تتعدد الجيوش وتمارس السياسة والحكم، ثم نتحدث عن دولة مكتملة، لا يمكن أن تتعدد مراكز القرار ثم نتحدث عن سيادة وطنية مستقرة ثم لا يمكن أن تكون المواطنة وحقوقها مشروطة بانتماءات معينة وتقول النخب الغريبة عن شعوب السودان بأنها لديها مشروع سياسي وطني يقوم على قيم الديمقراطية، هذا لم يكن حقيقا فى بلادنا، كله كان محاولات تضليلية لتكريس سلطتها وسيطرتها التى لا تقر مبادئ المواطنة وبالتالي الحق العام للشعوب السودانية فى إمتلاك دولتها ومشروعها السياسي الذي يعبر عنها، لذلك فإن السلام التأسيسي يجعل من إخضاع القوة المسلحة للدولة ولسلطة الحكم الديمقراطي، ليس مجرد بند أمني في إتفاق السلام، بل فعل تأسيسي يعيد تعريف معنى الدولة نفسها وطبيعة العلاقة بين مؤسساتها ومهامها الدستورية، فحين يصبح السلاح تابعا للمؤسسة الدستورية، ينتقل السودان من منطق القوة إلى منطق الشرعية، فالدولة التأسيسية لا تكتفي فقط بتنظيم القوي المكونة لها وفق حدود التكوين المؤسيسي وأدوار المؤسسات فى الدولة، لكنها تؤسس مواطن جديد في علاقته بالدولة، عبر عقد إجتماعي ينتج مفهوم الدولة نفسها في سياق جديد،فالمواطن في الدولة غير المكتملة وغير الوطنية التى ظللنا نعاني منها، منذ تسوية الإستقلال بين النخب السياسية والثقافية من ناحية والمستعمر الإنجليزي – المصري من ناحية أخري، يحتاج إلى الإنتماء إلى جماعة عرقية أو ثقافية أو مسلحة تحميه ، لأن هذه الدولة لا تمنحه شعور دائم و كافي بالأمن والعدالة، أما في الدولة التأسيسية، فإن المواطن يحصل على حقه من الدولة مباشرة، لا من وسيط إجتماعي أو أو ثقافي أو سياسي أو عسكري، لأن الحقوق تستمد من المواطنة وليس من أي إنتماء آخر، ونعني هنا بالمواطنة، ما هو أكثر من مجرد تعريف ووضع قانوني، إنما هي أساس الإنتماء للوطن وحق الوجود على ترابه، الشئ الذي يعني ، ملكية الشعوب السودانية العادلة و المتساوية للدولة ومشروعها السياسي الذي ينظم تباينها وتنافسها السياسي ومشروعية الحكم بإختيارها وتفويضها، ويتحول التنوع والتعدد السوداني إلى قيمة وطنية يتشكل منها كل ماهو سوداني، وذلك لأن القبيلة لايمكن أن تختفي، و الإقليم لا يفقد خصوصيته، كما أن الثقافة لا يمكن أن تذوب، هذه هي قيم دولة المواطنة، نجد فيها كل هذه الإنتماءات تصبح قيما سودانية داخل إطار وطني أكبر، يحميها من التحول إلى أدوات للصراع على الدولة، بناءا على ذلك، فإن الدولة التأسيسية هي إعادة توزيع للسيادة الوطنية بين الشعوب السودانية والمواطنين داخل الوطن، وتنتهي ملكية المركز للدولة فى مشرعها الاستعماري الموروث، فلا تضطر الأقاليم إلى المطالبة بانتزاع حقوقها بالقوة، لأن السلام التأسيسي يقوم على أن السلطة موزعة دستوريا بين مستويات الحكم المختلفة وإدارة الموارد الثروة محكومة بقواعد عادلة بين المستوي الإتحادي والإقليمي والمحلي بحيث تصير التنمية العادلة والشاملة حقا وطنيا وليست حرا سلطويا مركزيا يقوم على التمييز والإقصاء والتهميش الممنهج.
وفي هذا الإطار تصبح العدالة الاجتماعية والحقوق المدنية جزءا من التأسيس، فالدولة التي لا تعترف بضحاياها ولا تحاسب على الجرائم التي ارتكبت باسمها أو خارجها، تظل دولة فاقدة للثقة والأهلية وبالتالي صفة الدولة الوطنية، كما أن الدولة التأسيسية تحتاج كذلك إلى منهج إقتصادي اقتصاد يحرر الدولة وشعوبها من منطق الغنيمة، الذي تأسست عليه الدولة المركزية القديمة، بحيث لا تستخدم الموارد العامة فى تمويل الولاءات والتقسيم
والتمييز التنموي ، وتتم حماية المؤسسات الاقتصادية لكي لا تتحول إلى امتدادات للقوة السياسية الحاكمة، بما يوقف استخدام التنمية لإعادة إنتاج المركز والهامش، بهذه الكيفية تعمل الدولة التأسيسية على أن يصبح الإقتصاد يصبح جزءا من العقد الوطني، لأن العدالة السياسية والحقوقية، لا تستقيم فوق بنية إقتصادية تنتج التفاوت نفسه الذي يخلق و يغذي الصراع.
لهذا كله، لا يكون الدستور في الدولة التأسيسية مجرد وثيقة قانونية، بل الصيغة المكتوبة للعقد الوطني الجديد، بمعني أنه إنه يحدد مناهية السلطة وكيف يتم التنافس عليها ومن يراقبها، وكيف يتم تبادلها ووفق أي آليات سياسية متفق عليها وبأي طريقة تتم عدالة التمثيل والتنافس والوصول إلى كراسي الحكم الوطني وما الذي لا يجوز لأي حاكم أو مؤسسة أو جماعة سياسية تجاوزه و ماهي حدود السلطة نفسها.
والأهم أن التأسيس لا يتم بقرار نخبة واحدة، فالدولة التأسيسية تحتاج إلى شرعية شعبية واسعة، لأن العقد الذي لا يشعر الناس بأنهم شركاء في صياغته سيظل عرضة للانهيار عند أول أزمة، من هذا المنطلق يصبح مفهوم السلام برؤية جديدة تستوعب إخفاقات التجارب السابقة،طريقا لعملية التأسيس و ليس هدفا تكتيكيا لأعادة إنتاج الدولة القديمة بكل ملامحها الكالحة المثقلة بالفشل والتآمرات النخبوي الصفوي، نعم السلام التقليدي يوقف الحرب بين الأطراف، لكنه وحسب تاريخنا السياسي لم يؤسس دولة مستقرة، بل يتسبب فى إعادة إنتاج الحرب بصورة أشد ضراوة، لأنها لا يحدث تغييرا بنويا فى مفهوم الدولة التي أنتجت مسببات الحروب فى السودان، أما السلام التأسيسي فيعيد بناء الدولة بحيث لا يعود الصراع على السلطة يحتاج إلى حرب، إنما إلى تنافس سياسي طبيعي و عادل فى بيئة وطنية لا يشوبها تمييز بين الناس،
وهذه هي النقلة التي نحتاجها فى السودان، ألا تكون نهاية الحرب مجرد عودة إلى الدولة السابقة، بل خروج منها إلى دولة جديدة في قواعدها ومصادر شرعيتها وعلاقتها بالمواطن وكذلك توزيع سلطتها وإدارتها لتنوعها.
الدولة التأسيسية في جوهرها، هي الدولة التي يصبح فيها الوطن أعلي من السلطة، بحيث تكون المؤسسة هي وجه الدولة واداة عملها التي ينتجها الشعب، كان يجب أن القانون أعلي من القوة والمواطنة هي سقف أعلي من الانتماءات السياسية والاجتماعية والثقافية، عندما تستقر هذه القواعد، لا يعود السلام مجرد غياب للحرب، بل يصبح نتيجة طبيعية لوجود دولة لا يحتاج مواطنوها إلى حمل السلاح كي يثبتوا حقهم في الوطن، لهذا فإن معركتنا الحقيقية ليست فقط معركة إيقاف الحرب، إنما هي فى الأساس يجب أن تكون معركة تأسيس الدولة التي تجعل الحرب ليست من مطلوبات البحث عن المواطنة وإثبات الحقوق…..الدولة التأسيسية: المعنى السياسي لمستقبل السودان
الدولة التأسيسية ليست الدولة التي تأتي بعد الحرب، إنما أعني بها الدولة التي تنهي الشروط التي تجعل الحرب إحدي أدوات المطالبة بالحقوق، بهذا المعنى، فإن التأسيس لا يعني إعادة تشغيل مؤسسات الدولة التي دمرتها الحرب ولا إستبدال سلطة بأخرى ولا صياغة دستور جديد فحسب، لكن التأسيس يعني الإنتقال من مسألة من يحكم الدولة إلى قضية أكبر ، وهي ماهي الدولة التي تجعل الحكم ممكنا من دون أن يتحول إلى صراع على إمتلاكها وإقصاء الآخرين أو قهرهم ليبقوا تابعين وفقا لشروط الفئة المسيطرة، فالأزمة لم تكن يوما في غياب من يحكم الدولة، طالما هناك من هو قادر على فرض سطوته بالقوة الإنقلابية العسكرية أو بالورثة من المستعمر أو بالاحتيال والتغيب وفرض واقع، يجعل معظم الشعوب السودانية خاضعة للمركز الذي ورثه وطور آليات عمله المدمرة، لكن الأزمة تكمن فى عدم تأسيس دولة وطنية مكتملة الإستقلال ومؤسسة على عقد سياسي وأخلاقي متوافق عليه بين كل الشعوب السودانية، لذلك ظلت الدولة في كل مراحلها عبارة عن جهاز للسلطة ولم تكن يوما مؤسسة لكل الشعوب السودانية بتنوعها وتعددها الكبير، فأصبح الوصول إليها، أي الدولة، غاية للصراع بدل من أن تكون إطار محايد يتنافس الناس سياسيا وبرامجيا لإدارته وفق مبادئ الديمقراطية والمساواة وعدالة الفرص، هنا تأتي رؤيتنا لمفهوم الدولة التأسيسية التي هي إعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والمجتمع على قاعدة الشرعية الوطنية المتفق عليها لإنشاء دولة وطنية جديدة فى بلادنا.
وهي الدولة التى لا تأتي شرعيتها من القوة الموروثة من المستعمر ولا من الغلبة ولا من التاريخ ولا من إمتلاك السلاح ولا من مجرد السيطرة على مؤسسات الحكم بإنقلاب عسكري تآمري بين الجيش والأحزاب السياسية، إنما هي الدولة التى مصدرها هو العقد الاجتماعي الجديد والدستور والمواطنة والإرادة العامة للشعوب السودانية منتجة ومالكة تعريف مفهوم الوطن والوطنية، بذلك تنتقل الدولة كقيمة وطنية متكاملة من كونها مجال تتصارع داخله القوى إلى كونها المرجعية التى تحتكم إليها هذه القوى وفق مبادئ المساواة فى الحقوق والواجبات وتحت مظلة المواطنة كتعريف نهائي لمن هو السوداني دون تمييز من أي نوع، لذلك الدعوة لمفهوم السلام التأسيسي، قد تبدو فى ظاهرها نوعا من اللغة السياسية البسيطة، لكنها فى حقيقة الأمر، تمثل تحول جذرييًفي الفكر السياسي السوداني وكيفية صناعة الإستقرار المستدام وإنهاء أزمة دولة اللامواطنة التى تتجلي بإستمرار فى تاريخنا الدموي والذي جعل من بعض الناس سودانيين يملكون الدولة والأغلبية توابع يعانون مواطنة منتقصة وكأنها صدقة وليس حقا أصيلا للجميع.
في الدولة التأسيسية لا يكون الصراع حول هوية من يحكم ، لأنها دولة مؤسسة على مبادئ عليا تضع حدود سلطة الحكم، بحيث لايكون الجيش جسما سياسا حاكما أو يمتلك حزب تعريفا يخصه للشرعية أو يكون للقبيلة أو الطبقة أو الجهة أو الثقافة أو الدين تعريفا حصريا للشرعية تفرضه على الآخرين كما هو فى الدولة السودانية الموروثة من المستعمر، تلك الدولة التى لا تعترف بمواطنة كل السودانيين، فالسلام التأسيسي الذي ننشده لبلادنا، هو عملية سياسية جديدة للدولة التى يشكل فيها الجميع مكونات داخل الدولة على قدم المساواة وتتشكل الدولة من الجميع ، بحيث لا أحد يصبح مالك للدولة، لأنه عربي أو أفريقي أو مسلم أو مسيحي أو غيره من أوجه التنوع السوداني، فإن أهم ما تؤسسه الدولة السودانية التأسيسية هو السيادة العامة وتفكيك سيادة النخب وريثة دولة الإستعمار التى خلفها غنيمة لها وليس لكل السودانيين.
مفهوم السيادة فى السلام التأسيسي، لا يعني فقط إستقلال السودان عن الخارج، لكنه بصورة جوهرية أن تكون داخل الدولة سلطة قانونية واحدة ومؤسسات دولة واحدة ليست متعددة اقطاب الملكية وقواعد واحدة، لأنه لا يمكن أن تتعدد الجيوش وتمارس السياسة والحكم، ثم نتحدث عن دولة مكتملة، لا يمكن أن تتعدد مراكز القرار ثم نتحدث عن سيادة وطنية مستقرة ثم لا يمكن أن تكون المواطنة وحقوقها مشروطة بانتماءات معينة وتقول النخب الغريبة عن شعوب السودان بأنها لديها مشروع سياسي وطني يقوم على قيم الديمقراطية، هذا لم يكن حقيقا فى بلادنا، كله كان محاولات تضليلية لتكريس سلطتها وسيطرتها التى لا تقر مبادئ المواطنة وبالتالي الحق العام للشعوب السودانية فى إمتلاك دولتها ومشروعها السياسي الذي يعبر عنها، لذلك فإن السلام التأسيسي يجعل من إخضاع القوة المسلحة للدولة ولسلطة الحكم الديمقراطي، ليس مجرد بند أمني في إتفاق السلام، بل فعل تأسيسي يعيد تعريف معنى الدولة نفسها وطبيعة العلاقة بين مؤسساتها ومهامها الدستورية، فحين يصبح السلاح تابعا للمؤسسة الدستورية، ينتقل السودان من منطق القوة إلى منطق الشرعية، فالدولة التأسيسية لا تكتفي فقط بتنظيم القوي المكونة لها وفق حدود التكوين المؤسيسي وأدوار المؤسسات فى الدولة، لكنها تؤسس مواطن جديد في علاقته بالدولة، عبر عقد إجتماعي ينتج مفهوم الدولة نفسها في سياق جديد،فالمواطن في الدولة غير المكتملة وغير الوطنية التى ظللنا نعاني منها، منذ تسوية الإستقلال بين النخب السياسية والثقافية من ناحية والمستعمر الإنجليزي – المصري من ناحية أخري، يحتاج إلى الإنتماء إلى جماعة عرقية أو ثقافية أو مسلحة تحميه ، لأن هذه الدولة لا تمنحه شعور دائم و كافي بالأمن والعدالة، أما في الدولة التأسيسية، فإن المواطن يحصل على حقه من الدولة مباشرة، لا من وسيط إجتماعي أو أو ثقافي أو سياسي أو عسكري، لأن الحقوق تستمد من المواطنة وليس من أي إنتماء آخر، ونعني هنا بالمواطنة، ما هو أكثر من مجرد تعريف ووضع قانوني، إنما هي أساس الإنتماء للوطن وحق الوجود على ترابه، الشئ الذي يعني ، ملكية الشعوب السودانية العادلة و المتساوية للدولة ومشروعها السياسي الذي ينظم تباينها وتنافسها السياسي ومشروعية الحكم بإختيارها وتفويضها، ويتحول التنوع والتعدد السوداني إلى قيمة وطنية يتشكل منها كل ماهو سوداني، وذلك لأن القبيلة لايمكن أن تختفي، و الإقليم لا يفقد خصوصيته، كما أن الثقافة لا يمكن أن تذوب، هذه هي قيم دولة المواطنة، نجد فيها كل هذه الإنتماءات تصبح قيما سودانية داخل إطار وطني أكبر، يحميها من التحول إلى أدوات للصراع على الدولة، بناءا على ذلك، فإن الدولة التأسيسية هي إعادة توزيع للسيادة الوطنية بين الشعوب السودانية والمواطنين داخل الوطن، وتنتهي ملكية المركز للدولة فى مشرعها الاستعماري الموروث، فلا تضطر الأقاليم إلى المطالبة بانتزاع حقوقها بالقوة، لأن السلام التأسيسي يقوم على أن السلطة موزعة دستوريا بين مستويات الحكم المختلفة وإدارة الموارد الثروة محكومة بقواعد عادلة بين المستوي الإتحادي والإقليمي والمحلي بحيث تصير التنمية العادلة والشاملة حقا وطنيا وليست حرا سلطويا مركزيا يقوم على التمييز والإقصاء والتهميش الممنهج.
وفي هذا الإطار تصبح العدالة الاجتماعية والحقوق المدنية جزءا من التأسيس، فالدولة التي لا تعترف بضحاياها ولا تحاسب على الجرائم التي ارتكبت باسمها أو خارجها، تظل دولة فاقدة للثقة والأهلية وبالتالي صفة الدولة الوطنية، كما أن الدولة التأسيسية تحتاج كذلك إلى منهج إقتصادي اقتصاد يحرر الدولة وشعوبها من منطق الغنيمة، الذي تأسست عليه الدولة المركزية القديمة، بحيث لا تستخدم الموارد العامة فى تمويل الولاءات والتقسيم
والتمييز التنموي ، وتتم حماية المؤسسات الاقتصادية لكي لا تتحول إلى امتدادات للقوة السياسية الحاكمة، بما يوقف استخدام التنمية لإعادة إنتاج المركز والهامش، بهذه الكيفية تعمل الدولة التأسيسية على أن يصبح الإقتصاد يصبح جزءا من العقد الوطني، لأن العدالة السياسية والحقوقية، لا تستقيم فوق بنية إقتصادية تنتج التفاوت نفسه الذي يخلق و يغذي الصراع.
لهذا كله، لا يكون الدستور في الدولة التأسيسية مجرد وثيقة قانونية، بل الصيغة المكتوبة للعقد الوطني الجديد، بمعني أنه إنه يحدد مناهية السلطة وكيف يتم التنافس عليها ومن يراقبها، وكيف يتم تبادلها ووفق أي آليات سياسية متفق عليها وبأي طريقة تتم عدالة التمثيل والتنافس والوصول إلى كراسي الحكم الوطني وما الذي لا يجوز لأي حاكم أو مؤسسة أو جماعة سياسية تجاوزه و ماهي حدود السلطة نفسها.
والأهم أن التأسيس لا يتم بقرار نخبة واحدة، فالدولة التأسيسية تحتاج إلى شرعية شعبية واسعة، لأن العقد الذي لا يشعر الناس بأنهم شركاء في صياغته سيظل عرضة للانهيار عند أول أزمة، من هذا المنطلق يصبح مفهوم السلام برؤية جديدة تستوعب إخفاقات التجارب السابقة،طريقا لعملية التأسيس و ليس هدفا تكتيكيا لأعادة إنتاج الدولة القديمة بكل ملامحها الكالحة المثقلة بالفشل والتآمرات النخبوي الصفوي، نعم السلام التقليدي يوقف الحرب بين الأطراف، لكنه وحسب تاريخنا السياسي لم يؤسس دولة مستقرة، بل يتسبب فى إعادة إنتاج الحرب بصورة أشد ضراوة، لأنها لا يحدث تغييرا بنويا فى مفهوم الدولة التي أنتجت مسببات الحروب فى السودان، أما السلام التأسيسي فيعيد بناء الدولة بحيث لا يعود الصراع على السلطة يحتاج إلى حرب، إنما إلى تنافس سياسي طبيعي و عادل فى بيئة وطنية لا يشوبها تمييز بين الناس،
وهذه هي النقلة التي نحتاجها فى السودان، ألا تكون نهاية الحرب مجرد عودة إلى الدولة السابقة، بل خروج منها إلى دولة جديدة في قواعدها ومصادر شرعيتها وعلاقتها بالمواطن وكذلك توزيع سلطتها وإدارتها لتنوعها.
الدولة التأسيسية في جوهرها، هي الدولة التي يصبح فيها الوطن أعلي من السلطة، بحيث تكون المؤسسة هي وجه الدولة واداة عملها التي ينتجها الشعب، كان يجب أن القانون أعلي من القوة والمواطنة هي سقف أعلي من الانتماءات السياسية والاجتماعية والثقافية، عندما تستقر هذه القواعد، لا يعود السلام مجرد غياب للحرب، بل يصبح نتيجة طبيعية لوجود دولة لا يحتاج مواطنوها إلى حمل السلاح كي يثبتوا حقهم في الوطن، لهذا فإن معركتنا الحقيقية ليست فقط معركة إيقاف الحرب، إنما هي فى الأساس يجب أن تكون معركة تأسيس الدولة التي تجعل الحرب ليست من مطلوبات البحث عن المواطنة وإثبات الحقوق…..
الدولة التأسيسية: المعنى السياسي لمستقبل السودان
الدولة التأسيسية ليست الدولة التي تأتي بعد الحرب، إنما أعني بها الدولة التي تنهي الشروط التي تجعل الحرب إحدي أدوات المطالبة بالحقوق، بهذا المعنى، فإن التأسيس لا يعني إعادة تشغيل مؤسسات الدولة التي دمرتها الحرب ولا إستبدال سلطة بأخرى ولا صياغة دستور جديد فحسب، لكن التأسيس يعني الإنتقال من مسألة من يحكم الدولة إلى قضية أكبر ، وهي ماهي الدولة التي تجعل الحكم ممكنا من دون أن يتحول إلى صراع على إمتلاكها وإقصاء الآخرين أو قهرهم ليبقوا تابعين وفقا لشروط الفئة المسيطرة، فالأزمة لم تكن يوما في غياب من يحكم الدولة، طالما هناك من هو قادر على فرض سطوته بالقوة الإنقلابية العسكرية أو بالورثة من المستعمر أو بالاحتيال والتغيب وفرض واقع، يجعل معظم الشعوب السودانية خاضعة للمركز الذي ورثه وطور آليات عمله المدمرة، لكن الأزمة تكمن فى عدم تأسيس دولة وطنية مكتملة الإستقلال ومؤسسة على عقد سياسي وأخلاقي متوافق عليه بين كل الشعوب السودانية، لذلك ظلت الدولة في كل مراحلها عبارة عن جهاز للسلطة ولم تكن يوما مؤسسة لكل الشعوب السودانية بتنوعها وتعددها الكبير، فأصبح الوصول إليها، أي الدولة، غاية للصراع بدل من أن تكون إطار محايد يتنافس الناس سياسيا وبرامجيا لإدارته وفق مبادئ الديمقراطية والمساواة وعدالة الفرص، هنا تأتي رؤيتنا لمفهوم الدولة التأسيسية التي هي إعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والمجتمع على قاعدة الشرعية الوطنية المتفق عليها لإنشاء دولة وطنية جديدة فى بلادنا.
وهي الدولة التى لا تأتي شرعيتها من القوة الموروثة من المستعمر ولا من الغلبة ولا من التاريخ ولا من إمتلاك السلاح ولا من مجرد السيطرة على مؤسسات الحكم بإنقلاب عسكري تآمري بين الجيش والأحزاب السياسية، إنما هي الدولة التى مصدرها هو العقد الاجتماعي الجديد والدستور والمواطنة والإرادة العامة للشعوب السودانية منتجة ومالكة تعريف مفهوم الوطن والوطنية، بذلك تنتقل الدولة كقيمة وطنية متكاملة من كونها مجال تتصارع داخله القوى إلى كونها المرجعية التى تحتكم إليها هذه القوى وفق مبادئ المساواة فى الحقوق والواجبات وتحت مظلة المواطنة كتعريف نهائي لمن هو السوداني دون تمييز من أي نوع، لذلك الدعوة لمفهوم السلام التأسيسي، قد تبدو فى ظاهرها نوعا من اللغة السياسية البسيطة، لكنها فى حقيقة الأمر، تمثل تحول جذرييًفي الفكر السياسي السوداني وكيفية صناعة الإستقرار المستدام وإنهاء أزمة دولة اللامواطنة التى تتجلي بإستمرار فى تاريخنا الدموي والذي جعل من بعض الناس سودانيين يملكون الدولة والأغلبية توابع يعانون مواطنة منتقصة وكأنها صدقة وليس حقا أصيلا للجميع.
في الدولة التأسيسية لا يكون الصراع حول هوية من يحكم ، لأنها دولة مؤسسة على مبادئ عليا تضع حدود سلطة الحكم، بحيث لايكون الجيش جسما سياسا حاكما أو يمتلك حزب تعريفا يخصه للشرعية أو يكون للقبيلة أو الطبقة أو الجهة أو الثقافة أو الدين تعريفا حصريا للشرعية تفرضه على الآخرين كما هو فى الدولة السودانية الموروثة من المستعمر، تلك الدولة التى لا تعترف بمواطنة كل السودانيين، فالسلام التأسيسي الذي ننشده لبلادنا، هو عملية سياسية جديدة للدولة التى يشكل فيها الجميع مكونات داخل الدولة على قدم المساواة وتتشكل الدولة من الجميع ، بحيث لا أحد يصبح مالك للدولة، لأنه عربي أو أفريقي أو مسلم أو مسيحي أو غيره من أوجه التنوع السوداني، فإن أهم ما تؤسسه الدولة السودانية التأسيسية هو السيادة العامة وتفكيك سيادة النخب وريثة دولة الإستعمار التى خلفها غنيمة لها وليس لكل السودانيين.
مفهوم السيادة فى السلام التأسيسي، لا يعني فقط إستقلال السودان عن الخارج، لكنه بصورة جوهرية أن تكون داخل الدولة سلطة قانونية واحدة ومؤسسات دولة واحدة ليست متعددة اقطاب الملكية وقواعد واحدة، لأنه لا يمكن أن تتعدد الجيوش وتمارس السياسة والحكم، ثم نتحدث عن دولة مكتملة، لا يمكن أن تتعدد مراكز القرار ثم نتحدث عن سيادة وطنية مستقرة ثم لا يمكن أن تكون المواطنة وحقوقها مشروطة بانتماءات معينة وتقول النخب الغريبة عن شعوب السودان بأنها لديها مشروع سياسي وطني يقوم على قيم الديمقراطية، هذا لم يكن حقيقا فى بلادنا، كله كان محاولات تضليلية لتكريس سلطتها وسيطرتها التى لا تقر مبادئ المواطنة وبالتالي الحق العام للشعوب السودانية فى إمتلاك دولتها ومشروعها السياسي الذي يعبر عنها، لذلك فإن السلام التأسيسي يجعل من إخضاع القوة المسلحة للدولة ولسلطة الحكم الديمقراطي، ليس مجرد بند أمني في إتفاق السلام، بل فعل تأسيسي يعيد تعريف معنى الدولة نفسها وطبيعة العلاقة بين مؤسساتها ومهامها الدستورية، فحين يصبح السلاح تابعا للمؤسسة الدستورية، ينتقل السودان من منطق القوة إلى منطق الشرعية، فالدولة التأسيسية لا تكتفي فقط بتنظيم القوي المكونة لها وفق حدود التكوين المؤسيسي وأدوار المؤسسات فى الدولة، لكنها تؤسس مواطن جديد في علاقته بالدولة، عبر عقد إجتماعي ينتج مفهوم الدولة نفسها في سياق جديد،فالمواطن في الدولة غير المكتملة وغير الوطنية التى ظللنا نعاني منها، منذ تسوية الإستقلال بين النخب السياسية والثقافية من ناحية والمستعمر الإنجليزي – المصري من ناحية أخري، يحتاج إلى الإنتماء إلى جماعة عرقية أو ثقافية أو مسلحة تحميه ، لأن هذه الدولة لا تمنحه شعور دائم و كافي بالأمن والعدالة، أما في الدولة التأسيسية، فإن المواطن يحصل على حقه من الدولة مباشرة، لا من وسيط إجتماعي أو أو ثقافي أو سياسي أو عسكري، لأن الحقوق تستمد من المواطنة وليس من أي إنتماء آخر، ونعني هنا بالمواطنة، ما هو أكثر من مجرد تعريف ووضع قانوني، إنما هي أساس الإنتماء للوطن وحق الوجود على ترابه، الشئ الذي يعني ، ملكية الشعوب السودانية العادلة و المتساوية للدولة ومشروعها السياسي الذي ينظم تباينها وتنافسها السياسي ومشروعية الحكم بإختيارها وتفويضها، ويتحول التنوع والتعدد السوداني إلى قيمة وطنية يتشكل منها كل ماهو سوداني، وذلك لأن القبيلة لايمكن أن تختفي، و الإقليم لا يفقد خصوصيته، كما أن الثقافة لا يمكن أن تذوب، هذه هي قيم دولة المواطنة، نجد فيها كل هذه الإنتماءات تصبح قيما سودانية داخل إطار وطني أكبر، يحميها من التحول إلى أدوات للصراع على الدولة، بناءا على ذلك، فإن الدولة التأسيسية هي إعادة توزيع للسيادة الوطنية بين الشعوب السودانية والمواطنين داخل الوطن، وتنتهي ملكية المركز للدولة فى مشرعها الاستعماري الموروث، فلا تضطر الأقاليم إلى المطالبة بانتزاع حقوقها بالقوة، لأن السلام التأسيسي يقوم على أن السلطة موزعة دستوريا بين مستويات الحكم المختلفة وإدارة الموارد الثروة محكومة بقواعد عادلة بين المستوي الإتحادي والإقليمي والمحلي بحيث تصير التنمية العادلة والشاملة حقا وطنيا وليست حرا سلطويا مركزيا يقوم على التمييز والإقصاء والتهميش الممنهج.
وفي هذا الإطار تصبح العدالة الاجتماعية والحقوق المدنية جزءا من التأسيس، فالدولة التي لا تعترف بضحاياها ولا تحاسب على الجرائم التي ارتكبت باسمها أو خارجها، تظل دولة فاقدة للثقة والأهلية وبالتالي صفة الدولة الوطنية، كما أن الدولة التأسيسية تحتاج كذلك إلى منهج إقتصادي اقتصاد يحرر الدولة وشعوبها من منطق الغنيمة، الذي تأسست عليه الدولة المركزية القديمة، بحيث لا تستخدم الموارد العامة فى تمويل الولاءات والتقسيم
والتمييز التنموي ، وتتم حماية المؤسسات الاقتصادية لكي لا تتحول إلى امتدادات للقوة السياسية الحاكمة، بما يوقف استخدام التنمية لإعادة إنتاج المركز والهامش، بهذه الكيفية تعمل الدولة التأسيسية على أن يصبح الإقتصاد يصبح جزءا من العقد الوطني، لأن العدالة السياسية والحقوقية، لا تستقيم فوق بنية إقتصادية تنتج التفاوت نفسه الذي يخلق و يغذي الصراع.
لهذا كله، لا يكون الدستور في الدولة التأسيسية مجرد وثيقة قانونية، بل الصيغة المكتوبة للعقد الوطني الجديد، بمعني أنه إنه يحدد مناهية السلطة وكيف يتم التنافس عليها ومن يراقبها، وكيف يتم تبادلها ووفق أي آليات سياسية متفق عليها وبأي طريقة تتم عدالة التمثيل والتنافس والوصول إلى كراسي الحكم الوطني وما الذي لا يجوز لأي حاكم أو مؤسسة أو جماعة سياسية تجاوزه و ماهي حدود السلطة نفسها.
والأهم أن التأسيس لا يتم بقرار نخبة واحدة، فالدولة التأسيسية تحتاج إلى شرعية شعبية واسعة، لأن العقد الذي لا يشعر الناس بأنهم شركاء في صياغته سيظل عرضة للانهيار عند أول أزمة، من هذا المنطلق يصبح مفهوم السلام برؤية جديدة تستوعب إخفاقات التجارب السابقة،طريقا لعملية التأسيس و ليس هدفا تكتيكيا لأعادة إنتاج الدولة القديمة بكل ملامحها الكالحة المثقلة بالفشل والتآمرات النخبوي الصفوي، نعم السلام التقليدي يوقف الحرب بين الأطراف، لكنه وحسب تاريخنا السياسي لم يؤسس دولة مستقرة، بل يتسبب فى إعادة إنتاج الحرب بصورة أشد ضراوة، لأنها لا يحدث تغييرا بنويا فى مفهوم الدولة التي أنتجت مسببات الحروب فى السودان، أما السلام التأسيسي فيعيد بناء الدولة بحيث لا يعود الصراع على السلطة يحتاج إلى حرب، إنما إلى تنافس سياسي طبيعي و عادل فى بيئة وطنية لا يشوبها تمييز بين الناس،
وهذه هي النقلة التي نحتاجها فى السودان، ألا تكون نهاية الحرب مجرد عودة إلى الدولة السابقة، بل خروج منها إلى دولة جديدة في قواعدها ومصادر شرعيتها وعلاقتها بالمواطن وكذلك توزيع سلطتها وإدارتها لتنوعها.
الدولة التأسيسية في جوهرها، هي الدولة التي يصبح فيها الوطن أعلي من السلطة، بحيث تكون المؤسسة هي وجه الدولة واداة عملها التي ينتجها الشعب، كان يجب أن القانون أعلي من القوة والمواطنة هي سقف أعلي من الانتماءات السياسية والاجتماعية والثقافية، عندما تستقر هذه القواعد، لا يعود السلام مجرد غياب للحرب، بل يصبح نتيجة طبيعية لوجود دولة لا يحتاج مواطنوها إلى حمل السلاح كي يثبتوا حقهم في الوطن، لهذا فإن معركتنا الحقيقية ليست فقط معركة إيقاف الحرب، إنما هي فى الأساس يجب أن تكون معركة تأسيس الدولة التي تجعل الحرب ليست من مطلوبات البحث عن المواطنة وإثبات الحقوق…..



