تحليل سياسي

لماذا فشلت النخب النيلية في بناء دولة المواطنة والعقد الاجتماعي؟ (4-4)

✍🏾 بقلم: الجاك محمود أحمد الجاك

تقدمت علينا كثير من الدول والشعوب مئات السنين الضوئية، لا لشيء إلا لأنها نجحت في تجاوز الجدل حول طبيعة الدولة وعلاقة الدين بالدولة، ولأنها أدركت قيمة المواطنة المتساوية فأحسنت إدارة التنوع. بينما ما زلنا في السودان نرزح تحت الحروب والأزمات بسبب استمرار الصراع حول تعريف طبيعة الدولة، واستمرار الجدل العقيم حول الهوية الوطنية للدولة وعلاقة الدين بالدولة.

لكن حسنًا فعل الدستور الانتقالي لجمهورية السودان لسنة 2025، الذي حسم الجدل حول طبيعة الدولة وعلاقة الدين بالدولة في الباب الأول، المادة (4). وبذلك يكون الدستور الانتقالي قد منع تسييس الدين واستخدامه كوسيلة لحيازة السلطة، بل منع الدستور الانتقالي قيام أي حزب سياسي في السودان على أساس ديني.

فالحزب السياسي في الدولة الوطنية الحديثة ينبغي أن يقوم على مشروع وطني عابر للإثنيات والانتماءات الدينية. نعم، يجب ألا يُسمح لأعضاء النادي السياسي القديم بترحيل التفاوض حول علاقة الدين بالدولة إلى ما يسمى بالمؤتمر الدستوري ليتم حسمها بأغلبية ميكانيكية زائفة.

فآليات مثل التفاوض والحوار الوطني عند النخب النيلية لا تعدو كونها وسيلة لإعادة تدوير القوى والأفكار القديمة. والمؤتمر الدستوري نفسه كفكرة ومنبر قد تجاوزه الزمن، والمبادئ فوق الدستورية باعتبارها مبادئ متعلقة بالحقوق الطبيعية والقضايا المصيرية للدولة وطبيعة الدولة نفسها، وبالتالي لا يحق لأي جهة التصويت فيها.

فالمبادئ فوق الدستورية بطبيعتها مبادئ عابرة للأجيال، وأحكام وقواعد أعلى مرتبة من الدستور نفسه، ولذلك يجب أن تظل محصنة ضد الإلغاء والتعديل أو التغيير.

العنصرية أخطر القضايا المسكوت عنها في السودان

مثل الرق، ظلت العنصرية واحدة من أخطر القضايا المسكوت عنها في السودان، لذلك يجب أن يشكل فضح وتعرية العنصرية في السودان حضورًا في معركة السردية.

فالعجز في كشف وفضح العنصرية الموجودة والممارسة من الدولة هو ما جعل اهتمام العالم بمشكلة السودان مقتصرًا على النظر إليها من زاوية مصالح الدول الإقليمية من الناحية الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية. إذ لم تحظَ العنصرية في السودان، والتي تتعدد تمظهراتها، بالاهتمام الإعلامي العالمي الذي يتناسب مع عمق المشكلة وحجم المأساة الإنسانية المترتبة عليها.

يتعين قراءة حركة التاريخ للتعلم من تجارب الشعوب الأخرى. فمثلًا، المؤتمر الوطني في جنوب أفريقيا (ANC) والكتل الثورية الأخرى التي خاضت النضال ضد نظام الفصل العنصري (Apartheid) لم تكن تدافع عن نفسها، أو تفكر بعقلية جلادها، أو تحاول إثبات وطنيتها أو استجداء الاعتراف من جلادها في معركة السردية أمام آلة بريتوريا الإعلامية، بل كانت تهاجم أساس وجود نظام الفصل العنصري.

وهذا ما أكسب النضال ضد الأبارتهايد في جنوب أفريقيا التعاطف الإقليمي والدولي. فنظام الفصل العنصري لم يواجه المقاومة الداخلية وحدها، بل نشأت حركة تضامن دولي واسع شملت:

  1. دولًا أفريقية دعمت حركات التحرر في جنوب أفريقيا.
  2. الأمم المتحدة ومنظماتها.
  3. حركات المقاطعة الدولية.
  4. برلمانات ونقابات عمالية في دول مختلفة.
  5. تجمعات ومنظمات طلابية في الغرب.
  6. منظمات حقوق الإنسان.
  7. حملات مقاطعة اقتصادية وثقافية ورياضية لنظام الفصل العنصري.

وكان للضغط الاقتصادي والدبلوماسي والثقافي الدولي دور مهم في عزل نظام الفصل العنصري. وقد أجبر هذا الضغط دولًا مثل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا على مقاطعة التفرقة العنصرية ورفع الغطاء السياسي والدعم الدبلوماسي عن نظام الفصل العنصري، مما زاد من عزلته الدولية والإقليمية، مع أن ضحايا نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا منذ العام 1948 وحتى إعلان التسوية التي أنهت نظام الفصل العنصري في العام 1994 لم يتجاوزوا الثلاثين ألف قتيل، قياسًا بالملايين من ضحايا العنصرية في السودان.

وللمقارنة بين نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا والعنصرية الموجودة في السودان، ولفهم الاختلاف بين السياقين، نجد أن الفصل العنصري في جنوب أفريقيا كان نظامًا قانونيًا وسياسيًا معلنًا لتصنيف السكان وإدارة الدولة على أساس العرق. بمعنى أن العنصرية في جنوب أفريقيا كانت عنصرية عرقية واضحة ومعلنة ومطبقة بالقانون.

مثلًا، كانت هناك قوانين واضحة لتطبيق الفصل العنصري: لافتات مكتوبة تمنع دخول البيض في أماكن محددة، وقوانين تمنع زواج السود من البيض، وقوانين تمنع جلوس السود في المقاعد الأمامية للمركبات العامة، وإن كانت شاغرة، إلخ.

فالأبارتهايد هناك كان أكثر وضوحًا في بنيته القانونية، وخاصة بعد وصول الحزب الوطني إلى السلطة عام 1948، حيث أصبحت العنصرية سياسة رسمية للدولة. فقد صنف قانون تسجيل السكان لسنة 1950 الناس إلى مجموعات عرقية، وأصبحت هذه التصنيفات أساسًا لتحديد الحقوق والسكن والعمل والحركة والزواج.

أما في السودان، ومع أن العنصرية لم تأخذ تاريخيًا صورة قانونية واضحة ومعلنة، لكنها ظلت ممارسة عمليًا، وتتمظهر في التراتبية الاجتماعية والإثنية والاقتصادية والسياسية، كما تتجلى في تقسيمات العمل وفي تقسيمات السكن: الأحياء السكنية في الخرطوم وغيرها من المدن والمراكز الحضرية.

تتمظهر العنصرية أيضًا في العنف الرمزي للدولة عندما تمجد تجار الرقيق بتسمية الشوارع الرئيسية في العاصمة القومية بأسمائهم، وعندما تعلن الدولة الخرطوم عاصمة للثقافة العربية.

العنصرية الموجودة في السودان عنصرية متجذرة في تاريخ الرق الذي خلفت آثاره تفاوتات كبيرة مرتبطة بالهوية الإثنية والثقافية والجهوية والدينية، بحيث لا يمكن دراسة العنصرية في السودان دون دراسة تاريخ الرق وعلاقات القوة لمعرفة من هم الجلابة، وكيف تشكلت هذه الطبقة، وكيف سيطرت على السودان.

وتتخذ العنصرية في السودان أشكالًا أكثر تعقيدًا، فهي، كما قلنا، عنصرية مركبة يتداخل فيها العامل العرقي والثقافي والديني والجهوي. ومع أنها عنصرية مقنعة أو متخفية، لكنها أسوأ بكثير من نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.

فالدولة تستخدم المؤسسة العسكرية لقتل وإبادة الملايين على أساس عرقي وجهوي في السودان باسم السيادة الوطنية وتحت ذريعة فرض هيبة الدولة، ولكنها لا تتحدث عن العنصرية صراحة. وتصدر الدولة فتاوى دينية لإعلان الجهاد على أساس عرقي، كفتوى إعلان الجهاد على النوبة التي صدرت في الأبيض في العام 1992.

والدولة ذاتها تستخدم السلاح الكيميائي وغيرها من الأسلحة المحرمة دوليًا ضد شعوب وأقاليم بعينها في السودان، وهي تجلس على مقاعد الأمم المتحدة لا يرمش لها جفن.

كما تتجلى العنصرية الموجودة في السودان في نظام التعليم الذي ظل ينتج هوية سودانية زائفة؛ نظام التعليم الذي يقوم على تزوير التاريخ؛ نظام التعليم الذي فشل في تصميم منهج للتربية الوطنية؛ نظام التعليم الذي أقعد السودان عن النهوض والتنمية والتقدم.

عليه، يجب أن تقوم السردية على كشف وفضح هذا الأبارتهايد المؤسسي المقنع في السودان وتجريده من شرعيته الدبلوماسية، فالثورة لن تكتمل أخلاقيًا إلا عندما تتحرر المجتمعات السودانية من العنصرية ومن الآثار الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للرق.

السودان بين المصالح الإقليمية والدولية ومعركة السردية

لم تجد مشكلة السودان، كما ذكرت، حتى الآن حظها الكافي من الاهتمام الإقليمي والدولي والإعلامي بما يتناسب مع عمق وطبيعة المشكلة.

يعزى السبب في ذلك إلى أن المجتمع الدولي نفسه غير محايد من أطراف الصراع في السودان، فهو ما زال ينظر إلى السودان من زاوية المصالح الأمنية والاقتصادية والجيوستراتيجية لدول الإقليم التي ظلت ترعى النخبة النيلية المسيطرة في السودان لعقود طويلة.

وهذه النظرة هي التي حولت السودان إلى ساحة للتنافس وصراع المصالح والنفوذ بين قوى إقليمية ودولية لا تهمها طبيعة الصراع وعمق المشكلة، ولا ضحايا الصراع في السودان بقدر ما تهمها مصالحها، وهنا يكمن هوى الجلابة.

بالطبع، ليست هناك قوى إقليمية أو دولية على الأرض تملك حق إجبار شعوب السودان على الاستسلام والخضوع لاستعمار وعبودية مؤسسة الجلابة. لكن هذه الحقيقة تحتم على قوى السودان الجديد معالجة العجز والقصور في معركة السردية.

اختزال الأزمة في محاربة الحركة الإسلامية: خطأ استراتيجي

كغيري من المتابعين في الوسائط الإعلامية، فقد لاحظت أن هناك خطأ استراتيجيًا في معركة السردية يرتكبه بعض أبناء السودان الجديد، وهو اختزال معركة السردية في محاربة الكيزان (الحركة الإسلامية).

أعتقد أن هذا الاختزال مخل لأنه يعبر عن خلل بنيوي في معركة السردية، بمعنى أنه لا يعبر عن الفهم الصحيح لجذور المشكلة وطبيعة الصراع الحاصل في السودان. وهو فوق ذلك اختزال يصب في مصلحة المركز، ومن شأنه تقزيم قضيتنا العادلة، وإعطاء المركز طوق نجاة مجاني.

فالمركز كعهده يستهويه وقوع أبناء السودان الجديد، وخاصة الذين تشكل وعيهم السياسي بعد حرب 15 أبريل، في فخ محاربة الحركة الإسلامية، لأن سردية المركز تقوم في الأساس على تعريف مشكلة السودان وتقديمها للعالم وكأنها مشكلة بدأت مع انقلاب الجبهة الإسلامية القومية واستيلائها على السلطة في الثلاثين من يونيو 1989.

ويمثل إسقاط النظام وتشكيل حكومة مدنية السقف السياسي لقوى المركز، بمعنى أنها لا تطرح إعادة هيكلة وبناء الدولة كحل جذري لمشكلة السودان.

صحيح، قد تنجح هذه السردية في إسقاط الحركة الإسلامية، ولكنها لن تنجح بالضرورة في تفكيك البنية التاريخية التي أنتجت الحركة الإسلامية وغيرها من الجماعات والتنظيمات المتطرفة والإرهابية في السودان، وهذا ما يجب الانتباه له جيدًا.

لأنه لا يمكن بناء سودان جديد بأدوات الماضي وبعقلية المركز الذي نناضل من أجل تفكيكه. فالحقيقة لا توجد دولة وطنية في السودان حاليًا، وأي مشروع تحرري لا بد له من تفكيك بنية الاستعمار وتركتها المتعلقة بعلاقات السلطة، لذلك لا يوجد حل جذري في السودان دون تفكيك بنية الدولة القديمة والقضاء على مؤسسات دولة ما بعد الاستعمار، وهي المهمة الأساسية لأي حركة تحرر وطني.

كما يجب تفكيك ترسانة قوانين السودان القديم التي صممت لتكريس المركزية القابضة وحماية امتيازات الأقلية الحاكمة، وإخضاع وإذلال الأغلبية المهمشة، وسن قوانين جديدة تقوم فلسفة تشريعها على علمانية المعايير.

تبني قوى المركز سرديتها على محاربة الحركة الإسلامية بوعي مصلحي تسلطي، وفوق ذلك يجب أن ندرك أن المركز لديه واجهات كثيرة تدعي النضال من أجل التغيير، ولكن أغلبها في الواقع قوى مضادة للثورة تطرح نفسها كأحزاب سياسية وكقوى مدنية، مع أنها كانت، وما زالت، وستظل تعمل على إعاقة ومنع حدوث التغيير الجذري في السودان.

وهي ذات قوى الهبوط الناعم التي تنظر بتوجس لتحالف السودان التأسيسي باعتباره أكبر تحالف سياسي وعسكري واجتماعي في تاريخ السودان الحديث. وهو تحالف يجمع قوى الهامش، وباعتباره السودان الجديد والمتضررين من الأوضاع القائمة في السودان، لهم مصلحة في التغيير الجذري.

وكتحالف قادر على إعادة رسم المشهد السياسي والعسكري في السودان، وإعادة رسم موازين القوى، تنظر قوى السودان القديم إلى تحالف تأسيس كأكبر مهدد لسلطتها وامتيازاتها التاريخية. لذلك تفعل ما بوسعها لسحب البساط من تحت أرجل تأسيس.

إعادة إنتاج المركز: جوهر الصراع على الدولة

إذا كانت قوى المركز، فمن مصلحتها إخراج المشكلة من سياقها التاريخي والموضوعي، وعدم الوضوح في طرح جذور المشكلة وطبيعة الصراع، لأن في ذلك مساسًا ببنية الدولة القديمة، وتهديدًا لهيمنتها وامتيازاتها التاريخية.

فهي تدرك أن سردية محاربة الحركة الإسلامية هي السردية الوحيدة التي تضمن لها إعادة التموضع وإعادة إنتاج نفسها في أي وضع جديد، وبالتالي استدامة سيطرتها على السودان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى