
علي عثمان طه: بين الهندسة الاجتماعية والمشروع الحضاري- حين تتحول الدولة من إدارة الاختلاف إلى صناعة المواطن(2-2)
خالد كودي، بوسطن، 3/10/2026
من المشروع الحضاري إلى سؤال السودان الجديد: هل نحتاج إلى إعادة تشكيل الإنسان السوداني، أم إلى بناء دولة تتسع لجميع السودانيين؟
مع انقلاب 30 يونيو 1989، دخل السودان مرحلة مختلفة من تاريخ تشكيل الهوية الوطنية. لم تخترع الإنقاذ التعريب، ولم تبتدع مركزية الثقافة العربية الإسلامية، لكنها جمعت أدوات الدولة والتعليم والإعلام والقانون والاقتصاد والحرب والدعوة في مشروع أكثر شمولاً لإعادة تشكيل المجتمع.
لم يكن ما سُمّي «المشروع الحضاري» مجرد شعار سياسي، بل تصوراً متكاملاً لطبيعة المجتمع الذي أرادت السلطة إنتاجه، وللهوية التي ينبغي أن تحكم علاقة المواطن بالدولة.
وتشير دراسات أكاديمية إلى أن سياسات تلك المرحلة شملت أسلمة المناهج وتعريبها، بالتزامن مع إعادة هيكلة مؤسسات التعليم العالي. وفي دراستها لتاريخ السودان، تتناول ويلو بيريدج العلاقة بين الاستيعاب والإقصاء في تعامل الدولة مع جنوب السودان، وتشير إلى أوجه تشابه بين بعض التصورات الاستعمارية السابقة عن «تمدين» الجنوبيين وبعض تصورات الدولة الإسلامية اللاحقة.
وفي عام 1992، برزت سياسة «الدعوة الشاملة» التي وثّقتها منظمة هيومن رايتس ووتش ضمن سياسات دمج التعليم والخدمات الاجتماعية والتنمية والتعبئة السياسية بالتلقين والتحويل الديني. وارتبطت هذه السياسات، في جبال النوبة، بما عُرف بـ«معسكرات السلام»، وبمساعي التعريب والأسلمة.
أما في جبال النوبة والنيل الأزرق، فقد اتخذت هذه السياسات بُعداً أكثر عنفاً. تصاعدت الحرب بعد استيلاء الجبهة الإسلامية القومية على السلطة، وأُعلن «الجهاد» عام 1992، فيما وثقت مصادر تاريخية وحقوقية استهداف المدنيين والتهجير ومصادرة الأراضي، إلى جانب استخدام قوات الدفاع الشعبي والمجاهدين.
عند هذه النقطة، لم تعد الهندسة الاجتماعية مجرد استعارة أكاديمية؛ فقد التقت المدرسة بالمعسكر، والمنهج بالدعوة، والهوية بالحرب. وفي المقابل، انشغلت قطاعات من النخب بفرص التعليم والحصول على الشهادات والتوظيف، بينما ظلت الأسئلة المتعلقة بطبيعة الدولة ومشروعها الاجتماعي خارج دائرة الاهتمام أو المواجهة الجادة.
علي عثمان محمد طه ووزارة «التخطيط الاجتماعي»
من أكثر المؤسسات دلالة على طبيعة ما سُمّي «المشروع الحضاري» وزارة التخطيط الاجتماعي، التي تولى علي عثمان محمد طه قيادتها خلال التسعينيات.
كان طه أحد أبرز قيادات الحركة الإسلامية السودانية، وتولى الوزارة التي أشرفت على جهود جعل المجتمع السوداني أكثر توافقاً مع المشروع الإسلامي، بما في ذلك نشر التعليم الديني.
ويشير أليكس دي وال إلى دور طه، بصفته وزيراً سابقاً للتخطيط الاجتماعي، في تطوير برنامج واسع للتغيير الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي، مستخدماً اللغة الإسلامية، على نحو أدى إلى تضاؤل الحدود بين الحكومة والمجتمع المدني، وبين الديني والعلماني، وبين المدني والعسكري.
وهنا تكاد تسمية الوزارة تكشف الفلسفة التي قامت عليها: التخطيط الاجتماعي.
لم يعد السؤال مقتصراً على كيفية توفير الخدمات للمجتمع، بل امتد إلى سؤال أكثر عمقاً: أي مجتمع نريد أن نصنع؟ ومن يملك الحق في تحديد صورة الإنسان الذي ينبغي أن يكون عليه السودانيون؟
مأساة الحنين إلى «العصر الذهبي»
كان في المشروع الإسلامي السوداني حنين واضح إلى نموذج تاريخي متخيّل: مجتمع إسلامي أول، أو حضارة إسلامية مزدهرة، يُفترض إمكان استعادتها عبر إعادة تشكيل الحاضر.
لكن التاريخ أكثر تعقيداً من هذه الصورة.
نعم، شهدت الحضارات الإسلامية فترات استثنائية من الإنتاج المعرفي. كانت بغداد العباسية مركزاً عالمياً للترجمة والفلسفة والطب والفلك والرياضيات. وبين القرنين الثامن والحادي عشر، انتقلت إلى العربية أعمال من اليونانية والسريانية والفارسية والسنسكريتية، وكان المشروع العباسي واحداً من أهم حركات انتقال المعرفة في التاريخ.
وازدهرت قرطبة الأندلسية كذلك بوصفها مركزاً للمكتبات والعلوم والفكر والتعليم.
لكن المفارقة التي ينبغي أن يتأملها دعاة العودة إلى ذلك العصر هي أن جانباً كبيراً من ازدهاره تحقق بفضل الانفتاح على معارف الآخرين. فالنهضة العباسية لم تقل إن المعرفة مكتملة لدينا، وإننا لسنا بحاجة إلى اليونان والفرس والهنود والسريان؛ بل ترجمت علومهم واستوعبتها وناقشتها وطورتها.
والأهم أن «العصر الذهبي» لم يكن ذهبياً للجميع.
فالمجتمعات الإسلامية الوسيطة، شأنها شأن المجتمعات الأوروبية والأفريقية والآسيوية المعاصرة لها، كانت مجتمعات هرمية، ضمت الحكام والأعيان والفقهاء والتجار والأحرار، إلى جانب عامة الناس والعبيد والجواري وأسرى الحرب وجماعات ذات أوضاع قانونية متفاوتة.
وتبين الدراسات التاريخية أن الرق والتسري كانا جزءاً من البنية الاجتماعية والسياسية لبعض المجتمعات الإسلامية، وأن الفتوحات والحروب أسهمت في توسع الاسترقاق. كما أتاحت النظم القانونية السائدة في بعض تلك السياقات استرقاق فئات من الأسرى.
وهذه ليست إدانة استثنائية للمسلمين؛ فالرق والحرب والسبي والإقطاع والتراتبية الجنسية والدينية كانت موجودة في حضارات كثيرة. لكن المسألة تصبح معاصرة حين يسعى سياسي في القرن العشرين أو الحادي والعشرين إلى تقديم مجتمع القرون الوسطى باعتباره نموذجاً معيارياً جاهزاً للمستقبل.
مشكلة علي عثمان: فقر الخيال واستخدام التاريخ خارج التاريخ
لم تكن مشكلة علي عثمان محمد طه الجهل بتاريخ الحضارة الإسلامية فحسب، بل يمكن قراءتها أيضاً بوصفها مشكلة في الخيال السياسي وفي فهم التاريخ. فقد جرى التعامل مع التاريخ، في جانب من المشروع الحضاري، كما لو كان نموذجاً قابلاً للنقل من الماضي إلى الحاضر، بصرف النظر عن اختلاف الشروط الاجتماعية والسياسية والأخلاقية.
المشكلة ليست أن رجلاً يحب تاريخ الحضارة الإسلامية؛ فهذا التاريخ جزء عظيم من التاريخ الإنساني، وفيه علماء وفلاسفة وشعراء وأطباء وفنانون يستحقون الدراسة والتقدير.
المشكلة هي اللاتاريخية: أن تأخذ مؤسسة نشأت في شروط القرن الثامن أو العاشر أو الثاني عشر، ثم تفترض أن صلاحيتها الأخلاقية والسياسية تنتقل تلقائياً إلى القرن الحادي والعشرين.
هذا ما يمكن وصفه بفقر الوعي التاريخي.
فلو أُعيد مجتمع القرون الوسطى بكل بنيته القانونية والاجتماعية، لا بأجمل كتبه وقصوره فقط، فأين سيكون المواطن السوداني غير العربي؟ وأين سيكون غير المسلم؟ وأين ستكون المرأة؟ وأين سيكون الفقير والراعي والفلاح والإنسان الواقع خارج دوائر السلطة؟ بل أين سيكون علي عثمان محمد طه نفسه؟
لا يجوز أن نختار من الماضي بيت الحكمة وننسى سوق الرقيق، أو نحتفي بالطبيب والفيلسوف والفلكي والشاعر ونغفل الأسير والعبد والجارية.
ولا يجوز أن نستدعي ازدهار بغداد وقرطبة ودمشق والقاهرة، ثم نحذف من الصورة الحروب والفتوحات وما ارتبط ببعضها، في سياقات تاريخية مختلفة، من القتل والأسر والاسترقاق والسبي والغنائم وضم الأراضي وإخضاع الشعوب المهزومة.
كذلك لا يمكن استعادة صورة «المجتمع الإسلامي التاريخي» بوصفها نموذجاً مكتمل الصلاحية للحاضر، من دون مواجهة البنى القانونية والاجتماعية التي ميّزت بين الحر والعبد، والرجل والمرأة، والمسلم وغير المسلم، والحاكم والمحكوم، والنخبة والعامة، ومنحت البشر مواقع وحقوقاً متفاوتة داخل النظام الاجتماعي والسياسي.
ولا يمكن استحضار منظومات قانونية نشأت في مجتمعات القرون الوسطى وكأنها قابلة للنقل إلى الدولة الحديثة، من دون مناقشة ما ارتبط ببعض التأويلات والتطبيقات الفقهية والتاريخية من عقوبات بدنية، كالجلد وقطع الأعناق والأطراف والرجم، ومن أحكام الرق وملك اليمين والسبي، ومن تصورات للحرب والفتح والغنيمة لم تعد منسجمة مع مبادئ المواطنة المتساوية وحقوق الإنسان والقانون الدولي المعاصر.
فالقضية ليست إنكار وجود هذه الأحكام في تراث تاريخي واسع ومعقد، ولا اختزال الإسلام أو الحضارة الإسلامية فيها، بل رفض تحويل نظام اجتماعي وقانوني تشكّل في شروط تاريخية مغايرة جذرياً إلى وصفة سياسية جاهزة لمجتمع القرن الحادي والعشرين.
والتناقض هنا أعمق من ذلك. فالحضارة التي نحتفي بعلمائها وفلاسفتها وشعرائها كانت أيضاً، كغيرها من حضارات عصرها، جزءاً من عالم لم يكن قد طوّر المفهوم الحديث للمواطنة المتساوية. وكان الاسترقاق ممكناً قانونياً واجتماعياً؛ إذ أمكن أن يدخل الإنسان المسترق في علاقات البيع والشراء والميراث والهبة، وأن يفقد الأسير حريته نتيجة الحرب، وأن توجد المرأة المسترقة داخل منظومة التسري وملك اليمين.
وكانت الحرب، في عالم الإمبراطوريات عموماً، وسيلة لتوسيع السلطان والسيطرة على الأرض والبشر، فيما وفّر مفهوم الفتح، في بعض السياقات التاريخية، إطاراً دينياً وسياسياً لتوسيع المجال الذي تحكمه الدولة.
ولا يقتضي الاعتراف بهذه الحقائق إصدار محاكمة أخلاقية ساذجة على مجتمعات القرن الثامن أو العاشر وفق معايير القرن الحادي والعشرين. فالإمبراطوريات البيزنطية والفارسية والأوروبية والأفريقية والآسيوية عرفت بدورها الحرب والاسترقاق والعقوبات الجسدية والتراتبية الاجتماعية والجندرية.
المشكلة ليست أن الماضي كان ماضياً؛ المشكلة أن يريد سياسي معاصر تحويل ذلك الماضي إلى مستقبل.
فإذا كان المراد استعادة «العصر الذهبي» بكل صدق، فأي جزء منه تحديداً نريد استعادته؟ هل نريد حركة الترجمة والانفتاح على علوم اليونان والفرس والهنود، أم نريد أيضاً نظام الرق؟ هل نستعيد ابن سينا والخوارزمي وابن الهيثم، أم نستعيد كذلك المجتمع الهرمي الذي عاشوا داخله؟ هل نريد المكتبات والمراصد والمستشفيات والشعر والفلسفة، أم نريد أيضاً أنظمة الحرب والسبي وملك اليمين والعقوبات البدنية؟ ومن الذي سيحدد أي أجزاء الماضي ينبغي الاحتفاء بها، وأيها يجب تجاوزه؟
هنا تظهر خطورة تحويل التاريخ إلى أيديولوجيا. فالتاريخ ليس مستودعاً ننتقي منه ما يبرر مشروعنا السياسي، ثم نسكت عما يناقض الصورة التي صنعناها عنه.
التاريخ ليس قائمة طعام نختار منها بيت الحكمة ونترك سوق الرقيق؛ نأخذ أمجاد الفاتحين ونحذف ذاكرة المهزومين؛ نحتفي بقصور الخلفاء وننسى حياة العامة؛ نتذكر العالم والفيلسوف ونمحو الأسير والعبد والجارية؛ نستعيد ازدهار الإمبراطورية ونصمت عن البشر الذين دُفعت من حياتهم وحرياتهم أثمان توسعها.
ولهذا فإن احترام الحضارة الإسلامية لا يكون بتحويلها إلى أسطورة خالية من التناقض، وإنما بدراستها بوصفها تجربة إنسانية عظيمة ومعقدة: أنتجت العلم والفلسفة والفن والأدب ومؤسسات باهرة، وعاشت في الوقت نفسه داخل نظم للحرب والسلطة والطبقة والجندر والعبودية كانت جزءاً من عالمها التاريخي.
إنجاز الإنسان المعاصر ليس أن يعيد بناء ذلك العالم، بل أن يأخذ منه المعرفة التي توسع الحرية، ويترك المؤسسات التي تنتقص منها.
فالحضارة ليست القدرة على العودة إلى الماضي، وإنما القدرة على التعلم منه وتجاوزه.
أوروبا أيضاً حاولت هندسة الإنسان
لم يكن هذا الخطأ إسلامياً وحده.
فأوروبا نفسها حاولت صناعة «الإنسان المثالي» من خلال الاستعمار والفاشية والنازية وتحسين النسل، والمدارس التي انتزعت أطفال الشعوب الأصلية من لغاتهم وثقافاتهم، والتصنيفات العرقية التي ادعت العلمية.
لكن أوروبا أنتجت أيضاً تقاليد فكرية نقدية أسهمت في تفكيك كثير من هذه اليقينيات: من نظريات نقد السلطة والعقد الاجتماعي عند جون لوك ومونتسكيو، إلى كانط وميل وماركس، ثم هانا آرنت وكارل بوبر وميشيل فوكو، فضلاً عن مدارس حقوق الإنسان والفكر الديمقراطي الحديث.
لم تتقدم المجتمعات الأوروبية لأنها عثرت على ماضٍ كامل وعادت إليه، بل لأنها خاضت صراعات طويلة ضد جوانب من ماضيها: الملكية المطلقة، والعبودية، والامتياز الوراثي، وحرمان النساء من الحقوق، واضطهاد الأقليات، وهيمنة الكنيسة على الدولة.
وهنا تكمن المفارقة التاريخية الكبرى: ففي الوقت الذي كانت فيه مجتمعات كثيرة تراجع المؤسسات الموروثة في ضوء حقوق الإنسان والمواطنة والعلم الحديث، أراد المشروع الحضاري السوداني أن يقيس المستقبل بمرآة الماضي.
وليس معنى ذلك أن أوروبا تجاوزت تناقضاتها نهائياً، أو أن مسارها كان خطياً نحو الحرية والمساواة؛ فالعنصرية والاستعمار والإقصاء ظلت، وما زالت، موضوعات أساسية في نقد المجتمعات الأوروبية الحديثة. لكن الدرس الأهم هو أن المجتمعات لا تتقدم بمجرد تمجيد ماضيها، بل بامتلاك القدرة على نقده ومراجعة مؤسساتها.
ما بعد المشروع الحضاري: قد يسقط النظام وتبقى طريقة تفكيره
تكمن خطورة المشاريع الشمولية في أن سقوط أنظمتها السياسية لا يعني بالضرورة زوال آثارها الفكرية والاجتماعية.
فقد حكمت الإنقاذ السودان ثلاثة عقود، نشأت خلالها أجيال وتعلمت وعملت داخل مؤسسات سعت إلى ترسيخ تصور محدد للهوية والثقافة والدين والمجتمع.
ولهذا قد يرفض بعض الناس الحركة الإسلامية ومشروعها الحضاري، بينما يحتفظون، بوعي أو دون وعي، بالبنية الفكرية التي قام عليها المشروع: الاعتقاد بأن هناك نموذجاً مسبقاً للإنسان السوداني ينبغي إعادة تشكيل المجتمع وفقاً له.
وقد يختلف هؤلاء مع الحركة الإسلامية في بعض التفاصيل، لكنهم لا يختلفون معها بالضرورة في التصورات الأساسية المتعلقة بهوية الدولة والمجتمع، أو في افتراض أن وحدة البلاد تقتضي قدراً من التجانس الثقافي، أو أن هناك مركزاً ثقافياً ينبغي أن تتكيف معه بقية المكونات.
وهنا تكمن إحدى معضلات السودان المعاصر؛ إذ إن بعض النخب التي تصدرت مشهد الثورة والتغيير لم تتمكن من تجاوز الإرث الفكري للمشروع الحضاري، وظلت أسيرة بعض افتراضاته بشأن الهوية والوحدة والدين والثقافة، رغم إعلان معارضتها للنظام الذي أنتجه.
وهكذا قد يسقط المشروع الحضاري سياسياً، بينما تستمر بعض مرتكزاته الفكرية داخل قوى تدّعي القطيعة معه، فتتحول، بوعي أو من دونه، إلى عائق أمام التأسيس الحقيقي للسودان الجديد.
إن القطيعة مع نظام الإنقاذ لا تكتمل بمجرد رفض قياداته أو سياساته، بل تتطلب مراجعة الأسس الفكرية التي جعلت الدولة أداة لإعادة تشكيل المجتمع وفق هوية مهيمنة.
لماذا إذن الخوف من قيم «السودان الجديد»؟
يمكن فهم مشروع السودان الجديد، في أحد أهم أبعاده الفكرية، لا بوصفه محاولة لاستبدال إنسان نموذجي بإنسان نموذجي آخر، وإنما بوصفه طرحاً لسؤال دستوري مختلف:
كيف نبني دولة لا تحتاج إلى توحيد الناس ثقافياً لكي يعيشوا متساوين سياسياً؟
- العلمانية: ليست، بهذا المعنى، حرباً على الدين، بل رفض أن تحدد الدولة قيمة المواطن أو حقوقه بحسب عقيدته.
- الديمقراطية: ليست صندوق اقتراع فقط، بل اعتراف بأن المجتمع لا يملك مركزاً وحيداً للحقيقة السياسية، وأن السلطة قابلة للمساءلة والتداول.
- المواطنة المتساوية: تعني ألا تتحول اللغة أو الدين أو الإثنية أو الإقليم أو الجندر إلى درجات متفاوتة من الانتماء إلى الدولة.
- المحاسبة: تعني أن الدولة نفسها ليست فوق القانون، وأن المسؤولية عن الانتهاكات لا تسقط بتغير الحكومات.
- العدالة التاريخية: تعني الاعتراف بأن آثار الظلم لا تختفي بمجرد إعلان المساواة القانونية، وأن معالجة التفاوتات الموروثة تتطلب سياسات ومؤسسات عادلة.
- حق تقرير المصير: يثير، في السياقات التي يُطرح فيها سياسياً ودستورياً، سؤالاً أساسياً عن شرعية الوحدة نفسها: هل الوحدة عقد طوعي بين جماعات حرة، أم قيمة تفرضها الدولة بالقوة؟ وتختلف القوى السودانية جذرياً حول نطاق هذا الحق وشروطه وآثاره؛ ولذلك ينبغي التعامل معه بوصفه مسألة دستورية وسياسية تحتاج إلى تحديد دقيق، لا شعاراً مجرداً.
- بناء المؤسسات الجديدة: يقتضي الاعتراف بأن المؤسسات التي صُممت لخدمة دولة مركزية ذات تصور أحادي للهوية قد لا تكون كافية لإدارة دولة متعددة الثقافات والأديان واللغات.
هذه المبادئ لا تفرض على السودانيين هوية جديدة، بل تفتح المجال أمامهم للمشاركة في تحديد مستقبلهم السياسي على أساس الحقوق المتساوية.
من هندسة المواطن إلى هندسة المؤسسات
هذا هو التحول الفلسفي الذي يحتاجه السودان.
لسنا بحاجة إلى هندسة السودانيين؛ نحتاج إلى هندسة المؤسسات التي تحمي السودانيين كما هم.
بدلاً من تغيير لغة الطفل كي تناسب الدولة، ينبغي تغيير المدرسة لكي تستطيع تعليم طفل متعدد اللغات.
وبدلاً من تغيير اسم الإنسان حتى يدخل السجل الثقافي للدولة، ينبغي تغيير السجل حتى يتسع لاسمه.
وبدلاً من سؤال المسيحي أو صاحب المعتقد الأفريقي أو المسلم المختلف عن موقعه من هوية الأغلبية، ينبغي أن يُسأل الدستور: كيف يضمن حريته وحقوقه؟
وبدلاً من مطالبة النوبة والفور والبجا والأنقسنا وغيرهم بأن يبرهنوا على قربهم من مركز ثقافي محدد، ينبغي مطالبة الدولة بأن تبرهن على أنها دولتهم.
هذا هو الفارق بين دولة تصنع المواطن ودولة يصنعها المواطنون.
فالدولة الأولى تتعامل مع التنوع باعتباره مشكلة ينبغي حلها، بينما تنطلق الثانية من الاعتراف بالتنوع باعتباره حقيقة اجتماعية وسياسية، وتعمل على تنظيمه دستورياً بما يضمن الحقوق والحريات والمساواة.
ولا يعني ذلك أن المؤسسات المحايدة ثقافياً تُبنى بالشعارات وحدها، بل تحتاج إلى إصلاح التعليم والقضاء والخدمة المدنية والأجهزة الأمنية، وإلى توزيع عادل للسلطة والثروة، وإلى ترتيبات دستورية تعالج اختلالات المركز والهامش.
إن الانتقال من هندسة المواطن إلى هندسة المؤسسات ليس مجرد تحول في اللغة السياسية، بل تغيير في طبيعة الدولة ووظيفتها.
التاريخ لا يعود إلى الوراء
لعل الخطأ الفكري الأكبر في «المشروع الحضاري» لم يكن فقط في إسلاميته السياسية، بل في مفهومه للزمن.
لقد تخيل التاريخ دائرة يمكن إعادة المجتمع عبرها إلى نموذج مكتمل في الماضي.
لكن التاريخ لا يعمل بهذه الطريقة.
لا نستطيع استعادة بغداد العباسية، كما لا يستطيع الأوروبيون استعادة أثينا أو روما أو فلورنسا عصر النهضة. نستطيع أن نتعلم من هذه التجارب، ونقرأ فلاسفتها، ونستعيد معارفها، ونحفظ آثارها، لكننا لا نستطيع إعادة شروطها الاجتماعية والأخلاقية والسياسية دون أن نعيد معها تناقضاتها.
الحضارة الحقيقية ليست العودة إلى العصر الذي ازدهر فيه أسلافنا، بل القدرة على إنتاج عصر يستحق أن يفخر به أحفادنا.
ولهذا فإن المعيار الذي ينبغي أن تُقاس به الدولة السودانية المقبلة ليس مقدار قربها من دولة إسلامية قديمة، ولا من دولة أوروبية، ولا حتى من صورة رومانسية لأفريقيا ما قبل الاستعمار.
المعيار هو الإنسان السوداني المعاصر: حريته وكرامته ومساواته، وحقه في لغته وثقافته ومعتقده وجسده وأرضه وذاكرته، وحقه في المشاركة في تعريف الدولة التي تحكمه.
لقد حاولت الهندسة الاجتماعية، في مراحل مختلفة من تاريخ العالم، أن تجعل الإنسان ملائماً للدولة.
أما المشروع الديمقراطي المعاصر فيبدأ من المبدأ المعاكس:
الدولة هي التي يجب أن تصبح ملائمة للإنسان.
ومن هنا يمكن فهم السؤال السوداني الكبير بعد تجربة الإنقاذ: هل نبحث مرة أخرى عن جماعة تعرّف لنا «السوداني الصحيح»، أم نبني للمرة الأولى مؤسسات لا تحتاج أصلاً إلى هذا التعريف؟
ربما هنا تحديداً تكمن أهمية النقاش حول السودان الجديد. ليس المطلوب استبدال «المشروع الحضاري» بعقيدة مغلقة أخرى، وإنما الانتقال من سياسة تشكيل البشر إلى سياسة تأسيس الحقوق؛ ومن دولة الهوية الواحدة إلى دولة المواطنة؛ ومن قداسة الماضي إلى مساءلته؛ ومن الوحدة القسرية إلى شرعية سياسية تقوم على الرضا؛ ومن ثقافة الإفلات من العقاب إلى المحاسبة؛ ومن مؤسسات ورثت اختلالات التاريخ إلى مؤسسات تعترف بها وتحاول إصلاحها.
وعندها فقط لا يكون الاختلاف مشكلة تنتظر الحل، بل يصبح نقطة البداية في تعريف السودان نفسه.
النضال مستمر، والنصر أكيد.



