
▪️تمهيد
ليس سهلاً تناول موضوع يتعلق بالنظام القبلي أو الإدارة الأهلية ونظامها وأدوارها السابقة، أو تلك المأمولة في المستقبل، خصوصًا إذا كان هذا التناول مربوطًا بتصورات لمعالجة جذور الأزمة السودانية، وما شكلته من قضايا مصيرية، وهو ما نعتقد أنه المدخل الصحيح لتحقيق السلام المستدام، وبالتالي إنهاء الحروب. فنحن ننظر إلى الأزمة ببعدها التاريخي الشامل المتمثل في بنية وتوجه الدولة السودانية الموروثة من الاستعمار، وسياساتها وتشريعاتها وقوانينها الإقصائية والعنصرية، وهو ما قاد إلى بروز القضايا المصيرية التي تتطلب رؤى واستراتيجات ومراحل لحلها حلاً عادلاً وشاملاً يفتح الطريق للسلام والاستقرار الدائمين. والقضايا هي: “الهوية الوطنية، هوية الدولة، علاقة الدين بالدولة، التحول الديمقراطي، نظام الحكم، النظام الاقتصادي، العدالة والمحاسبة التاريخية والترتيبات الأمنية، والتأسيس الجديد للمؤسسة العسكرية والأمنية”. ونرى أنه بالتوافق على معالجتها وترجمتها في استراتيجيات وخطط ومراحل عمل، لخلق التوازن الكمي في بنية الدولة السودانية في الخدمة العامة المدنية والعسكرية، وتأسيس النظام الاقتصادي الجديد وتحقيق التنمية المتوازنة ومعالجة نتائج الحروب. هذا هو طريق التأسيس والخلاص الذي نراه.
▪️نظام الإدارة الأهلية الذي تم تصميمه في بداية العهد الاستعماري، لتطبيق الحكم غير المباشر.
قبل قدوم شكل الدولة الحالية مع الاستعمار، كانت هناك أدوار لرؤساء القبائل وزعماء العشائر، وفقًا لطبيعة السلطة في السلطنات والممالك السودانية القديمة. ولكن مع مجيء الاستعمار، عمل على تأسيس نظام جديد للإدارة الأهلية بعد أن أرهقه شكل الحكم المباشر وتكلفته الإدارية والأمنية العالية.
لذلك أسس المستعمر الشكل الجديد من نظام الإدارة الأهلية للحكم غير المباشر، ويقول عنها الإداري عبدالله علي جادالله في كتابه “مع الإدارة الأهلية في مسيرتها”: إن الإدارة الأهلية هي شكل من أشكال الحكم غير المباشر، تم بموجبه نقل الصلاحيات الإدارية والأمنية والقضائية من الحكام البريطانيين في المقاطعات إلى زعماء القبائل والأمراء والسلاطين.
استنبط هذا النوع من الحكم اللورد لوقارد، الذي كان يدير شركة في شمال نيجيريا، حيث أتيحت له الفرصة ليراقب ويتابع الأسلوب القبلي التقليدي بين قبائل الهوسا وغيرها عن كثب. سماه “الحكم غير المباشر” حين تم له تقنينه وتنظيمه عندما تم تعيينه مندوبًا ساميًا في نيجيريا عام 1900، ثم وثقه في كتابه “DUAL MANDATE” أي الوصاية المشتركة. وقد شجع نجاح هذه التجربة في نيجيريا، التي سميت “الإدارة الأهلية” NATIVE ADMINISTRATION، على تطبيقها في العديد من الدول الأفريقية التي كانت تحت الاستعمار البريطاني. وتم تطبيقها في السودان خلال فترة الحكم الثنائي “الإنجليزي المصري”، واستمرت هناك، حيث تم الاعتراف بالسلطات التقليدية التي كان الزعماء يمارسونها دون اعتراف من الإدارة البريطانية، رغم علمها بها. كما نقل البريطانيون إليهم بعض الصلاحيات القضائية والأمنية والإدارية والمالية التي كانت في يد مفتش المنطقة البريطاني، وذلك من خلال القوانين واللوائح والقواعد والمنشورات التي تنظم طريقة وحدود ممارستها، تحت إشراف وتوجيه مفتش المنطقة، الذي احتفظ بحق النظر في الطعون. وقد مكّن هذا التقنين الإدارة الأهلية من الفصل في جميع أنواع النزاعات، والحفاظ على الأمن والنظام والإدارة والشؤون المالية، وفقًا للعادات والتقاليد والممارسات القبلية.
وأيضًا الدكتور محمد عيسى عليو في كتابه “الإدارة الأهلية من المهد إلى اللحد”، تناول تطورات النظام القبلي في فترة الاستعمار التركي وفي عهد الدولة الوطنية المهدية، وبشكلها الجديد في عهد الاستعمار الإنجليزي، حيث تناول صدور أول قانون لسلطات المشايخ عام 1922م، وقانون المحاكم القروية 1925، وقانون سلطات المشايخ 1927، وقانون المحاكم لسنة 1932، إلى قوانين الحكم المحلي في عام 1937-1951، فجميعها قوانين نظمت الدور التنفيذي والتشريعي والقضائي للإدارة الأهلية. وكذلك تناول مشاركة زعماء الإدارة الأهلية في التحول الدستوري بدءًا من المجلس الاستشاري لشمال السودان لعام 1944م، والجمعية التشريعية لعام 1948م، والحكم الذاتي لعام 1953م.
كما تناول د. عليو الإدارة الأهلية بعد ثورة أكتوبر 1964، ومذكرة الشفيع أحمد الشيخ وزير شؤون الرئاسة في حكومة سر الختم الخليفة التي قدمها لمجلس الوزراء في العام 1965، والتي كان جزء من توصياتها إلغاء الإدارة الأهلية في شمال السودان وتوزيع كافة سلطاتها للجهات القضائية والتشريعية والإدارية، وإلغاء قوانين المشايخ والإدارات الأهلية. وكذلك أوصت المذكرة بإلغاء الإدارة الأهلية في الشمالية ومديرية كسلا ومديرية الخرطوم ومديرية كردفان ومديرية دارفور، وتكوين لجنة برئاسة وزير الحكومة المحلية تكون مهمتها: (أ) دراسة خطة تكفل إلغاء الإدارة الأهلية في المديريات الجنوبية، (ب) دراسة وتدعيم أجهزة الحكم المحلي في مديريات بحر الغزال والاستوائية وأعالي النيل. ويستمر د. عليو في دراسته إلى أن يصل إلى نظام مايو 1969 والقرار الذي اتخذه نميري بتصفية الإدارة الأهلية في العام 1970م، وما تلاها من واقع وجود بعد سقوط نميري ومجيئ حكومة الإنقاذ وسياسة الجبهة القومية الإسلامية تجاه الإدارات الأهلية، إلى سقوطها في العام 2019 وما تلاها من فترة انتقالية، ثم انقلاب وحرب طاحنة في 15 أبريل 2023.
▪️دور الإدارة الأهلية عند اندلاع حرب 15 أبريل.
لتأمين عودتها الكاملة للسلطة، أشعلت الحركة الإسلامية شرارة حرب 15 أبريل 2023 التي اندلعت بين الجيش والدعم السريع، ثم تحولت إلى حرب شاملة انهارت فيها الدولة في كثير من مناطق وأقاليم السودان. والملاحظ أن الإدارات الأهلية في كثير من الولايات والمناطق لعبت دورًا عظيمًا وقدمت مبادرات جادة لمحاصرة الصراع والحرب، ومنها مبادرتهم بولاية غرب دارفور (الجنينة)، وبشمال دارفور (الفاشر)، وبغرب كردفان، وشمال كردفان، وبالدالي والمزموم، وغيرها من المناطق. وبعد تمدد الحرب، كان لبعضها دور كبير في الحفاظ على مؤسسات الدولة بالمحليات من التخريب والدمار، كما حدث بعدد من المحليات بدارفور، حيث تقدم قادة الإدارة الأهلية المجتمع وساهموا في تقديم نموذج مشرف في حفظ الأمن وتقديم الخدمات. كما لا تفوتني الإشارة إلى مشاركة بعضهم في التعبئة للحرب نفسها في كثير من مناطق السودان، وفق سياقات محددة.
▪️الإدارة الأهلية كفئة موقعة على ميثاق السودان التأسيسي.
في فبراير 2025 حدثت تطورات مهمة في الساحة السياسية السودانية، حيث اجتمعت قوى سياسية تأسيسية ثورية متعددة ووقعت على ميثاق السودان التأسيسي الذي يشتمل على (32) مبدأ تأسيسي، ودستور السودان الانتقالي لسنة 2025، وشكلت تحالف السودان التأسيسي “تأسيس”. ومن ضمنها قوى سياسية حزبية، وكفاح مسلح، ومكونات مجتمع مدني، وفئات نوعية، ومهنيون، وشخصيات وطنية مستقلة، وإدارة أهلية. وهذه الأخيرة هي ما تعنينا في هذا المقام. وتواثقت هذه القوى على تشكيل حكومة السلام التي تعمل في فترة ما قبل التأسيسية الانتقالية، والتي تشكلت وفقًا لـ(9) دواع وطنية، و(6) أخرى تتعلق بحفظ الأمن والسلم الدوليين. ومن تلك الدواعي: “تحقيق الحل العادل والشامل والسلام المستدام بمخاطبة ومعالجة جذور الأزمة السودانية، والعمل على محاصرة سلطة بورتسودان المتعنتة والرافضة لوقف الحرب ومعالجة جذور الأزمة السودانية. وتقديم المساعدات الإنسانية، بفتح جميع المعابر البرية والجوية والمطارات دون قيود، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية بلا عوائق إلى جميع أنحاء السودان، بعد أن استغلت سلطة بورتسودان مفهوم الشرعية والسيادة الوطنية لتعطيل وصول المساعدات الإنسانية. والحفاظ على وحدة السودان الطوعية، وذلك بمجابهة مشروع سلطة بورتسودان التي تعمل على بث خطاب الكراهية وتتبنى خطابًا وسياسات تقسيم البلاد. وحماية المدنيين، عبر استعادة المنظومة الأمنية وأجهزة تطبيق القانون كالشرطة والنيابة العامة والمباحث الجنائية والسجون، وضمان احترام القانون الدولي والإنساني، وصيانة حقوق المواطن وحرياته الأساسية. واستعادة الحقوق الدستورية لجميع المواطنين، بعد حرمانهم من قِبل سلطة بورتسودان من الاستفادة من مدخراتهم الاقتصادية، وحرمانهم من التعليم والحصول على الأوراق الثبوتية. وتأسيس وبناء مؤسسات الدولة السودانية على أسس جديدة عادلة. واسترداد مسار الحكم المدني الديمقراطي. وإنهاء تعدد الجيوش وتأسيس جيش جديد. واستعادة النظام الاقتصادي والمصرفي. واستعادة مكتسبات الانتقال التي كانت في الفترة الانتقالية التي جاءت بعد حراك ثورة ديسمبر، وتتمثل في إعفاء الديون وبرنامج دعم الأسر السودانية ‘ثمرات’. والالتزام بسياسات تعزز الأمن والسلم الدوليين”.
▪️الدور الجديد المأمول
ليست هناك إجابات جاهزة حول الدور المأمول لقيادات الإدارة الأهلية في المشاركة في رسم الاستراتيجيات والخطط والمراحل للتأسيس العادل للدولة السودانية، بأسسها الجديدة، المتمثلة في بناء دولة علمانية، ونظام حكم لا مركزي حقيقي، وتأسيس مؤسسة عسكرية وأمنية جديدة، ونظام اقتصادي جديد وعادل توجه سياساته المالية والنقدية نحو المنتجين والإنتاج، وإقرار التعدد والتنوع السوداني وحسن إدارته، وغيرها من قضايا التأسيس. وذلك لأنها دعوة للتفكير في تأسيس سياق مختلف تمامًا عن كل ما سبق، حيث كان الغرض في بداية العهد الاستعماري هو الحكم غير المباشر، وبعد خروج المستعمر كانت شروط الدولة الموروثة عنه شروطًا غير عادلة، واستمرينا عليها وهو ما قادنا نحو الانهيار الشامل.
وإذا أردنا التأسيس وفق سياق مختلف جذريًا عن فترة الاستعمار وما ورثناه من بعدها، فهل بالإمكان للإدارة الأهلية لعب دور جديد في مشروع التأسيس العادل والسلام المستدام في السودان؟!
22 أبريل 2026
▪️المراجع:
– الإدارة الأهلية من المهد إلى اللحد، 2015، د. محمد عيسى عليو
– مع الإدارة الأهلية في مسيرتها، عبدالله علي جادالله
– جذور المشكلة السودانية وإخفاقات التجارب السابقة لصناعة السلام في السودان، د. أبكر آدم إسماعيل
– ميثاق السودان التأسيسي، 2025
– دستور السودان الانتقالي لسنة 2025
عاوز تصميم لهذا المقال يحمل العلامة البصرية لمنصة براكسس



