
مخلص كتاب سيكولوجية الإنسان المقهور
سيكولوجية الإنسان المقهور: تفكيك بنية التخلف وبناء إرادة الفعل
قراءة في أطروحة د. مصطفى حجازي
لا يمكن فهم “التخلف” في مجتمعاتنا كظاهرة اقتصادية أو تقنية بحتة، بل هو في جوهره “بنية نفسية” معقدة ناتجة عن تراكم القهر. في كتابه العمدة “سيكولوجية الإنسان المقهور”، يغوص الدكتور مصطفى حجازي في أعماق النفس التي تعرضت للاستلاب، ليقدم لنا خارطة طريق لفهم لماذا نفشل أحياناً في التغيير رغم توفر الإمكانيات.
1. الوجود المأزقي: الحياة تحت وطأة التهديد
يرى حجازي أن الإنسان المقهور لا يعيش حياة طبيعية، بل يعيش “مأزقاً وجودياً”. فالعالم الخارجي بالنسبة له مصدر تهديد دائم، والقانون ليس حامياً بل أداة للمتسلط. هذا الوضع يولد شعورين قاتلين:
انعدام الأمان: مما يدفع الفرد للتقوقع حول الانتماءات الضيقة (القبيلة، الطائفة) كبديل عن الدولة أو المؤسسة.
فقدان السببية: حين يرى المقهور أن الجهد لا يؤدي للنتيجة (بسبب المحسوبية أو الظلم)، يتوقف عن التخطيط للمستقبل ويلجأ للقدرية أو الحظ.
2. آليات الدفاع: كيف نعيد إنتاج القهر؟
يفسر الكتاب ظواهر اجتماعية وإدارية نعيشها يومياً من خلال ثلاث آليات دفاعية:
التماهي بالمتسلط: وهي أخطر الآفات؛ حيث يحاول المقهور استعادة اعتباره بممارسة القهر على من هم أضعف منه. يظهر هذا في بيئات العمل من خلال “المدير المقهور” الذي يفرغ إحباطاته في موظفيه.
العدوانية المنقولة: حين يعجز المقهور عن مواجهة مصدر القهر الحقيقي، يفرغ غضبه في الممتلكات العامة أو في النزاعات الجانبية التافهة، وهو ما يفسر غياب “روح الفريق” في الكثير من مؤسساتنا.
الغيبية والتواكل: الهروب من الواقع المأساوي إلى عالم الأوهام أو انتظار “المخلص”، مما يعطل إرادة التغيير الواعي.
3. الربط بـ “البراكسس”: من الانفعال إلى الفعل
إن قيمة هذا الكتاب لمنصة براكسس تكمن في تحويل الوعي النفسي إلى ممارسة عملية. التحرر من القهر ليس مجرد شعار سياسي، بل هو عملية “بناء مؤسسي” ونفسي تتطلب:
استعادة الفاعلية (Agency): تحويل الموظف أو الفرد من “متلقٍ للأوامر” خائف، إلى “شريك في الصنع” يشعر بأن لفعله قيمة وتأثيراً.
كسر دائرة التماهي: بناء ثقافة إدارية وقيادية تقوم على “التمكين” (Empowerment) بدلاً من “السيطرة”، لضمان عدم إعادة إنتاج القهر داخل الهياكل التنظيمية.
العقلانية في المواجهة: استبدال التمرد العفوي الفوضوي بـ “الفعل المنظم”. فالتغيير الحقيقي يبدأ عندما يدرك المقهور آليات استلابه ويقرر مواجهتها بالعلم والتنظيم والعمل الجماعي.
خاتمة
إن معركة التنمية في عالمنا العربي هي في المقام الأول معركة تحرير “الإنسان” من قيوده النفسية. وكما يخلص حجازي، فإن القهر حين يطول أمدُه يصبح طبعاً، ولا سبيل لكسره إلا بوعي نقدي يحول “الأنا” المحطمة إلى “نحن” فاعلة وقادرة على صناعة التاريخ.
سؤال للنقاش:
كيف يمكننا في بيئات عملنا ومبادراتنا المجتمعية أن نكسر “سيكولوجية الخوف” ونبني ثقافة تقوم على المبادرة والمسؤولية؟



