
“نعيد نشر مقال د. هشام عمر النور (نقد ايدلوجيا صراع الهويات سودانيا) وهو مقال كتبه في 25 يانير 2011م، ولذلك ننوه أن يقرأ في سياقه. وربما أن د. هشام، اليوم لديه قراءة محدثه له، لكننا استعرناه من مدونته الشخصية (هنا وردة)، وآثرنا نشره لتعم الفائدة، وليفتح أفق حوار لقراءة صراع الهويات من منظور فلسفي” المحرر.
في السودان، الآن، يتخذ الصراع الاجتماعي قناعاً وغطاءً أيديولوجياً يستره ليظهر كصراع هويات. وهو غطاء أيديولوجي يسمح للقوى الاجتماعية المسيطرة على مصائر البلاد منذ استقلالها بتجديد دمها الطبقي واستمرار سيطرتها على البلاد موحدة أو منقسمة. فالدولة الكولونيالية في السودان ـ شأنها شأن أية دولة كولونيالية أخرى ـ تعمل على إعادة إنتاج أنماط الإنتاج ما قبل الرأسمالية بدلاً من تفكيكها،[1] فتبدو رأسماليتها الكولونيالية كتجاور بين القطاع التقليدي والقطاع الحديث؛ كما اصطلح المجال السياسي السوداني على توصيف البلاد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وهو توصيف مضلل إذ يبدو فيه وكأن وجود القطاع التقليدي وجود عرضي رهين بتطور البلاد وتنميتها والذي سيؤدي حتماً إلى تمدد القطاع الحديث وزوال القطاع التقليدي. بينما القطاع الحديث في الرأسمالية الكولونيالية يسيطر على القطاع التقليدي وتعيد الدولة الكولونيالية إنتاج الأخير كشرط لتبعيتها (باللغة القديمة)، وإذا أردنا الدقة كشرط للاندماج الكولونيالي في السوق العالمي تمييزاً له عن الاندماج الاجتماعي في السوق العالمي، فالتطورات التي عصفت بالعالم وأدّت إلى انهيار المعسكر الشرقي أشّرت بوضوح إلى استحالة انقسام عالم اليوم فأصبح السؤال حول الكيفية التي يندمج بها، ولم يعد السوق سوى دينامية اقتصادية يمكن أن تكون ذات طابع رأسمالي ويمكن أن تكون ذات طابع اجتماعي ولكن لا يمكن إلغاؤها.
المهم أن سيطرة ما يسمى بالقطاع الحديث في الرأسمالية الكولونيالية على القطاع التقليدي (وعلى نحو دقيق أنماط الإنتاج ما قبل الرأسمالي) وإعادة إنتاج الدولة الكولونيالية للأخير تمنع البلاد من إكمال اندراجها في مشروع حداثتها. والوقائع الاقتصادية تؤكد ذلك، وأصدق مثال الثروة الحيوانية في البلاد، فعلى الرغم من أن تصدير الماشية إلى السوق الإقليمي يساهم بأكثر من 300 مليون دولار سنوياً في الدخل القومي، وجل هذه الماشية تأتي من غرب البلاد، فإن أصحاب هذه الثروة الحيوانية ما زالوا قبائل رحل تعيش حياتها البدائية منذ آلاف السنين في الارتحال شمالاً وجنوباً (في مساحة تزيد على مساحة فرنسا) سعياً وراء الماء والكلأ.
وفي إطار هذا التوصيف فإن تمظهر الصراع الاجتماعي كصراع هويات، وحتى ميله للانحدار إلى صراع قبلي، هو بالضبط المنطق الأيديولوجي للرأسمالية الكولونيالية. فالمجال المعرفي والأخلاقي للرأسمالية الكولونيالية هيّأ لظهور المنطق الأيديولوجي للتناقض بين المركز الرأسمالي الكولونيالي وما يسيطر عليه ويعيد إنتاجه من هوامش أنماط الإنتاج ما قبل الرأسمالي، هيّأ لظهوره كصراع قومي وقبلي. فالارتباط بين الدولة القومية والرأسمالية أمر معلوم وارتباط القبلية بأنماط الإنتاج ما قبل الرأسمالية أيضاً أمر معلوم، ولذلك يبدو من الطبيعي أن يتمظهر الصراع الاجتماعي بين البرجوازية الكولونيالية والقوى الاجتماعية الأخرى أيديولوجياً كصراع قومي وقبلي. الهوية القومية ضرورية للرأسمالية الكولونيالية ضرورتها لسيدتها الرأسمالية الإمبريالية في مراحل تطورها المبكرة، ولكن محاولات فرض هذه الهوية القومية تصطدم بمجال معرفي وأخلاقي يستند على المجتمعات القديمة ما قبل الرأسمالية، مجتمعات تسودها القبيلة وتقاليدها ومعارفها، فيتبدى التناقض بينهما كتناقض قومي ينحدر باستمرار إلى تناقض قبلي.
وإذا كانت الدولة الكولونيالية تعيد إنتاج أنماط الإنتاج ما قبل الرأسمالي كشرط للاندماج الكولونيالي ومن ثم كشرط لإعادة إنتاج الرأسمالية الكولونيالية نفسها، فإن هذا الشرط يتجلى سياسياً في كون أن القوى الاجتماعية المسيطرة في السودان تنتج سلطتها في إطار من التشتت والتجزئة والاحتراب وتفشل في تقديم قيادة اجتماعية لكل أهل السودان. هذا الاستنتاج النظري الأخير تلخيص دقيق للتاريخ السياسي والاجتماعي المعاصر للسودان. والوقائع القائمة الآن في السودان ترجمة دقيقة لهذا الاستنتاج. ويشهد على ذلك الطابع القومي والقبلي والجهوي للحروب الأهلية والحركات المسلحة في جنوب وغرب وشرق البلاد. إن منطق تطور الرأسمالية الكولونيالية في السودان ـ كما هو واضح ـ منطق مأزوم فاقم من أزمة البلاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وأوصلها إلى حائط طريقها المسدود ولم يعد ما اصطلح على تسميته بالسودان القديم قادراً على الاستمرار إلاّ تحت قمع وحشي وإرهاب واسع فانتخب هذا المنطق المأزوم الحركة الأصولية الإسلامية في السودان للقيام بهذه المهمة، فوصلت إلى السلطة بانقلابها العسكري في يونيو 1989م. ولكن القمع الوحشي والإرهاب الواسع لا يحل أزمة التطور الرأسمالي الكولونيالي في البلاد وإنما يؤدي بها إلى المزيد من التفاقم وهو ما أوصل البلاد إلى حافة الانهيار وعلّق مصيرها على استفتاء على حق تقرير المصير سيجرى بعد سنوات قليلة من الآن، الراجح أن ينتهي إلى تقسيم البلاد إذا ما استمرت الأحوال على ما هي عليه الآن ولم تتقدم أية قوى بديلة تفتح الطريق أمام سودان بديل تضعه على مضمار إكمال اندراجه في مشروع حداثته والالتحاق بالحياة الإنسانية المعاصرة.
فالقوى الاجتماعية التي حكمت السودان منذ الاستقلال وأنتجت سلطتها في إطار من التشتت والتجزئة والاحتراب لن تستطيع أن تنتج مجدداً ما يوحد السودان وأن توفر في ذات الوقت قيادة اجتماعية لكل أهل السودان. فالنظر للسياق الاجتماعي والتاريخي لتطور هذه القوى يجعل هذا الاحتمال غير قائم تاريخياً فكل السمات العامة والخصائص المختلفة لتلك القوى سواء كانت اجتماعية أو اقتصادية أو معرفية لا تؤهلها لإنتاج ما هو مطلوب منها علاوة على ضيق افقها وخيالها القاصر ومصالحها الضيقة جداً وغير المرتبطة بالمصلحة العامة. هذه السمات والخصائص تجد أساسها الموضوعي في طريق التطور الرأسمالي الكولونيالي الذي أوضحناه. هذه القوى مسئولة بشكل مباشر عن تشكيل ما عرف، في الحياة السياسية والفكرية السودانية، بالمركزية العربية الإسلامية، وهي مركزية يختلط فيها ما هو أثني بما هو ثقافي بما هو ديني لتشكّل غطاءً أيديولوجيا يوحّد البلاد تحت سيطرتها، ولكن وبسبب طبيعة نظامها الاقتصادي ـ السياسي فإنها تفشل في توحيد البلاد بل، وعلى العكس، تعيد إنتاج انقسامها وتجزئتها.
ولقد وقعت القوي الاجتماعية البديلة في فخاخ أيديولوجيا القوى الاجتماعية المسيطرة وأنتجت أيديولوجيا الهامش، وهو هامش يختلط فيه أيضاً ما هو أثني بما هو ثقافي بما هو ديني. فأصبح الصراع صراعاً بين الهوية العربية الإسلامية والهوية الأفريقية، يكتسب طابعاً دينياً مختلطاً بما هو أثني حيناً، كما هو الحال في جنوب البلاد(العربي الإسلامي ضد الأفريقي المسيحي)، وطابعاً أثنياً خالصاً حيناً آخر، كما هو الحال في الغرب (العرب ضد الزرقة)، وحيناً طابعاً إثنياً وجهوياً كما هو الحال في الشرق(إذ أن إحدى الحركتين المسلحتين في الشرق تعتمد بالكامل على قبيلة عربية هي الرشايدة بينما الحركة الأخرى تعتمد على قبيلة البجا وهي قبيلة أفريقية). واكتملت بذلك أيديولوجيا المركز والهامش التي تسيطر على الحياة السياسية والفكرية في السودان. وفي سياق هذه الأيديولوجيا تعبّر الهوية العربية الإسلامية عن المركز بينما تعبّر الهوية الأفريقية عن الهامش. رغم أن فحص الجذور القبلية لحاملي السلاح تكشف أن ما يوحد بينها ليس الهوية الأفريقية (قبيلة الرشايدة في الشرق عربية) كما أن ما يوحد بينها ليس هو الديانة المسيحية أو كريم المعتقدات الأفريقية (لأن المسلحين في الغرب والشرق مسلمين) مما يكشف زيف أيديولوجيا المركز والهامش، أيديولوجيا صراع الهويات.
إن أيديولوجيا المركز والهامش تجعل الهامش كله كتله واحدة في مقابل المركز الذي هو أيضاً كتلة واحدة. وهذا غير صحيح تاريخياً واجتماعياً، فالمركز به قوى اجتماعية تترابط مصالح تحررها من السيطرة مع مصالح قوى اجتماعية موجودة في الهامش، فمثلاً، وببساطة شديدة، هنالك نساء وعمال ومزارعين يقع عليهم قمع اجتماعي في المركز والهامش معاً، بل إن النساء يتم قمعهن في الهامش من قبل قوى قومية تتحدث عن مستقبل السودان وتقدمه وتنخرط في الدعوة للسودان الجديد (كانت الصحف في السودان قد ذكرت قبل حوالي العام أن حكومة الجنوب التي تتولاها الحركة الشعبية لتحرير السودان ستصدر قانوناً يقيد زيّ النساء ليلائم الأعراف الأفريقية تجنباً لتقليد الأزياء الغربية، وهو أمر يكاد أن يكون تكراراً لتجربة الأصولية مع نساء المركز). والواقع أن الرؤية الصحيحة هي انه داخل الهامش توجد هوامش ومركز وداخل المركز أيضاً توجد هنالك هوامش ومركز وبناءً عليه فإن هذه المقولة مضللة ولا تفسر وقائع الصراع ويجب استبدالها من الناحية النظرية.
ونستطيع أن نستخلص من الأساس الاجتماعي لأيديولوجيا صراع الهويات أن السودان الجديد والسودان القديم ـ وهما مصطلحان صاغهما الفكر السياسي لحركة الهامش ـ وجهان لعملة واحدة. السودان الجديد ستسوده الهوية الأفريقية تماماً مثلما كانت الهوية العربية الإسلامية تسود السودان القديم. ويتضح مقدار الزيف فيهما بمقدار ما يحولان قضايا التحول الديمقراطي والعدالة الاجتماعية إلى قضايا صراع إثني، وفي أفضل أحواله قضايا صراع ثقافي. مما يعني أن حل أزمة السودان القديم تحت تصورات أيديولوجيا صراع الهويات لن تؤدي بنا إلى سودان جديد وإنما ستعيد إنتاج السودان القديم. صحيح أن إعادة البناء هذه ستأخذ في اعتبارها المطالب القومية والجهوية ولكنها ستستجيب لها ببناء قوى اجتماعية في الهامش تكون جزءاً من القوى الاجتماعية المسيطرة في البلاد. إنها إعادة بناء السودان القديم على أسس جديدة تتنازل فيها القوي المسيطرة عن جزء من سلطتها وثروتها تستدرج به من سيصبحون جزءاً منها لتأمين سيطرتها. وحتى إذا فشلت عملية إعادة البناء هذه وانتهى الأمر بالبلاد إلى الانقسام فإن ما سينتج هو السودان القديم في كل جزء من أجزائه المنفصلة، أي أننا سننتهي إلى عدد من السودانات القديمة بدلاً من سودان قديم واحد.
إن ما يوحد بين مختلف الحركات المسلحة هو الأساس الاقتصادي ـ السياسي الذي تقوم عليه وقائع الظلم والغبن التاريخي في السودان. وأيديولوجيا صراع الهويات أو وجهها الآخر صراع المركز والهامش تغطي على هذا الأساس الاقتصادي ـ السياسي وتعالجه فقط من زاوية أنصبة القوميات والجهويات المختلفة من السلطة والثروة. وبذلك أصبح تقسيم السلطة والثروة هو مفتاح الحل السياسي للأزمة في السودان، وبناءً عليه تم عقد الاتفاقات المختلفة مع الحركات المسلحة، اتفاق السلام الشامل مع الحركة الشعبية لتحرير السودان في نيفاشا الذي أصبح أساساً ونموذجاً لاتفاق أبوجا مع حركة تحرير السودان واتفاق أسمرا مع جبهة الشرق. إن تقسيم السلطة والثروة وتوزيعها إثنياً وجهوياً مع الحفاظ على أسس النظام الاقتصادي ـ السياسي لن يغير من طبيعة السودان القائم الآن، السودان القديم، وبالتالي لن يؤدي إلى بناء السودان الجديد، بل يعني أن هذا التوزيع للثروة والسلطة سيرفد القوى الاجتماعية المسيطرة في السودان القديم بدم إثني وجهوي جديد يجدّد سيطرتها ويعيد إنتاج وقائع الظلم والغبن التاريخي ولكن هذه المرة سيتولى الأمر جزءاً من القوى الاجتماعية المسيطرة سيكون له دم الضحايا الإثني وجهتهم. ولن تكون هذه هي المرة الأولى فنظام الإدارة الأهلية الذي خلفه المستعمر أمّن طبقة من عُمد القبائل ومشايخها صارت جزءاً من القوى الاجتماعية المسيطرة وما زالت، ولكن ولأن منطق تطور الرأسمالية الكولونيالية منطق مأزوم فإنها تحتاج باستمرار إلى تجديد دمها الطبقي، وقد بلغت هذه المرة نهاية طريقها المسدود ولذلك ستضطر إلى تنازلات ضخمة وإذا لم تف باستحقاقاتها فسينقسم السودان، وهو الراجح في ضوء سلوك القوى الحاكمة الآن.
إننا فعلاً في حاجة إلى السودان الجديد، ولكن هذا السودان الجديد يجب ألاّ يكون معكوس السودان القديم أو مقلوبه لأن في ذلك مجرد إعادة إنتاج للسودان القديم باعتماد ذات أسسه ومنطقه. إن السودان الجديد يجب أن يكون خروجاً على أسس السودان القديم ومنطقه، وخروجاً على أيديولوجيا صراع الهويات. وهذا الخروج يتم باعتماد برنامج اكمال اندراج البلاد في مشروع حداثتها. بل أن مفهوم الجديد لا يتلاءم مع فكرة صراع الهويات ولا مع مفهوم الهوية لأنه يقوم على مفهومين أساسيين؛ الأول: مفهوم التنافر[2] وعدم التصالح مع الواقع ويعني إننا لا نريد في تجريدنا للواقع الوصول لمفاهيم كلية تفسره بحيث يصبح الواقع ساكن غير متحرك وتغيب أية آفاق للتغيير، ويعني أيضاً محاولتنا المستمرة لفهم الهوية في إطار تاريخي واجتماعي متحرك، مما يجعلنا دائماً قادرين على رؤية البدائل باتجاه مستقبلنا. وبناءً عليه، فإن مفهوم الجديد يلتقي مع مفهوم التنافر وليس الهوية. إنه مفهوم ضد الهوية ومع تفكير اللاهوية؛ والثاني: أن مفهوم الجديد نفى للأساليب والممارسات القديمة والتقاليد[3]، بينما نجد الحركة الشعبية منسجمة مع الممارسات والتقاليد القديمة وبل أحياناً تؤسس نشاطها على أساسها، فمثلاً، كانت عقيدة مقاتلي الحركة كما سيأتي ذكره مبنية على عقيدة مقاتلي قبائل (الدينكا والنوير والشلك). ولذلك يجب أن يكون محتوى السودان الجديد وأساسه جديد حقاً. وهذا لن يتوفر إلاّ بالتفكير النقدي.
ومع ذلك فإن نقد أيديولوجيا صراع الهويات يجب أن يتمتع بحساسية عالية ويميز بين الضحايا والجلادين. وهي حساسية عليها فقط أن تنظر في الوقائع وتميّز بين من يسيطر ومن يقاوم وإن وقع في فخاخ أيدولوجيا قوى السيطرة. وحينها سنجد أن هنالك فرقاً سياسياً جوهرياً وهو أن القوى المسيطرة انتجت سلطتها في السودان في إطار من التشتت والتجزئة والاحتراب وفشلت في أن تكون قيادة اجتماعية لكل أهل السودان ـ كما قلنا من قبل ـ بينما قوى المقاومة نجحت ولأول مرة في تاريخ السودان في توفير قيادة اجتماعية لكل أهل السودان تمثلت في شخصية جون قرنق وإن ظلت أيديولوجيا صراع الهويات خصماً على هذه القيادة ولذلك اعتمدت هذه القيادة على مزايا وقدرات وشخصية جون قرنق الكارزمية ورؤيته التي كانت ورغم ارتباطها بأيديولوجيا صراع الهويات ترى السودان الجديد كتنوع عرقي وإثني وثقافي وديني وهو ما لم يتوفر لتيار واسع داخل الحركة الشعبية لتحرير السودان ولذلك لم ترتبط هذه القيادة الاجتماعية بالحركة ككل وإنما بشخصية قرنق بالذات. ولقد افتقد السودان بموته المفاجئ قائداً فذاً استطيع أن أقول أن قيادته لكل أهل السودان كان يمكن أن توفر أحد أهم شروط الحفاظ على وحدة السودان وهو ما يرجح أن موته لم يكن حدثاً عارضاً وإنما تضافرت عليه عوامل دولية وإقليمية وسودانية. ومع ذلك فهذا لا يجعلنا نهمل أزمة هذه القيادة لأنها مبنية على أساس ايدولوجيا المركز والهامش التي تغيّب البرنامج الأساسي للحركة والقوى الاجتماعية التي تحاول الحركة قيادتها، برنامج إكمال إندراج السودان في مشروع الحداثة واللحاق بالحياة الإنسانية المعاصرة وتذهب بها إلى برنامج آخر تعتقد فيه أن هنالك قوميات همشت قوميات أخرى وأنه قد حان وقت رفع هذه المظالم، رغم أن هذا الظلم والتهميش جاء بالأساس نتيجة لعدم اكتمال مشروع الحداثة بسبب سيطرة البرجوازية الكولونيالية، وبناءً على ذلك تبنت الحركة وقيادتها برنامج استبدال المركز بالهامش أو العكس بدلاً من استبدال السودان القديم بالجديد، وتلخيصاً لما سبق اعتقد أن ايدولوجيا صراع الهويات تعبر بدقة عن السياق الذي أنتج القوى القديمة في السودان.
ولأن هذا الموضوع شائك ومعقد وينتمى فى حياة الناس لوجدانهم وعواطفهم وكرامتهم ومن ثم لتصوراتهم عن أنفسهم وعن الآخرين فى بلادهم وخارجها وعن بلادهم ذاتها، ولأن الصراع الاجتماعى تبدى تاريخياً كصراع بين الهويات فأصبحت مصائر البلاد معلقة بنتائجه، ولأن تاريخ بلادنا فى ارتباطه بهذا الصراع هو تاريخ من العسف والمظالم ومخاضات الدم والقهر وانتهاكات الكرامة، فلابد من معالجة الموضوع بحساسية رفيعة تقف الى جانب الضحايا وتفضح الاستعلاء والهيمنة دون أن تقع فى الإستعلاء والهيمنة المضادة. لقد أثمر هذا الصراع نتائج مُرّة: مركزية عربية اسلامية ومركزية أفريقية مضادة. ونقد أيديولوجيا صراع الهويات وفضحها يتطلب بالإضافة إلى الكشف عن أساسها الاقتصادي ـ الاجتماعي يتطلب أيضاً تفكيك وتجاوز المقدمات النظرية والفكرية والسياسية للمركزيتين المتضادتين، اللتين تبدوان قائمتين على ذات المقدمات على الرغم من تضادهما ( أو بسببه فى الحقيقة ). ولأن التضاد بين هاتين المركزيتين هو تضاد تماثل فإنهما تنزعان إلى التماهى فى رؤية واحدة ذات وجهين، يسعى كل وجه إلى تأكيد الآخر، بل إن وجود أحدهما يقتضى ويلزم عنه وجود الآخر. والتفكير النقدى فى هذه الرؤية يسعى إلى تجاوز مقدماتها بالتضاد معها بالاختلاف لا بالتماثل، مما يفتح أفق البلاد على وحدتها الوطنية وتكاملها القومى بالانتصاف للمظالم، وفى ذات الوقت تأسيس حق كل فرد فى النمو فى سياق القيم الرمزية التى نشأ وتربى عليها وتطويرها أو التخلى عنها إذا شاء. وسيعتمد هذا المقال في نقده لأيديولوجيا صراع الهويات على رؤية كل من فرانسيس دينق وجون قرنق.
إن مقولات المركز والهامش وصراع الهويات لن تؤدي لقيام دولة واحدة في السودان لانها تنظر إلى الصراع على أنه صراع هويات مغلقة ولا يوجد ما يجمعها ومن ثم يصبح من المستحيل الحديث عن سودان واحد، والنتيجة المترتبة على ذلك استحالة قيام دولة قومية في السودان. ولكن السؤال هل نحن في حاجة فعلاً إلى دولة قومية في السودان تعتمد على مفهوم الهوية أم أننا في حاجة إلى دولة من نوع آخر؟ ومنعاً للإلتباس فى الموقف السياسى والفكرى والنظرى الذى أعبّر عنه فى موضوع الهوية (وهو موضوع إستراتيجيته الأساسية هى اللبس)، فلابد من الإبانة والوضوح حول هذا الموقف بتقرير إطاره وهيكله الأساسى. يقوم هذا الموقف على إجماع النظريات السياسية المعاصرة فى السنوات الأخيرة على أن”الامم مجتمعات متخيلة” العبارة الشهيرة التى دائماً مايتم اقتباسها من بنديكت أندرسون Benedict Anderson أو هى “مصنوعات ثقافية” تشكل إدعاءاتها بالأشكال الجوهرية للهوية الجماعية، كتجانس عرقى او إثنى، وكلغة وتاريخ ومصير مشترك، أو حتى كمعنى عام للخير، تشكل بناءات مصطنعة للناس الذين يحتاجونها للتأقلم والتوافق مع الشروط الثقافية والسياسية المتغيرة ويحتاجونها لتوليد افضل الأشكال وأقواها من التضامن الإجتماعى.[4] وليس المقصود هنا انكار الهويات التى يستشعرها الناس كأمر جوهرى، وليس المقصود انكار ما قد يترتب عليها من مظالم وقهر وإنما المقصود أن نقتنع بالأصل المصطنع لهذه الهويات والأصل المصطنع للاعتقاد بالانتماء الى إثنية مشتركة، دون أن يقلل ذلك من قناعتنا بفاعلية الاعتقاد بالهوية الذى يقوم على ترابط منطقى يمكن أن يتحول إلى علاقات شخصية أو وعى جماعى.
هذه الهويات ليست عوامل مفسرة وانما تحتاج للتفسير. وهذا أول خلافنا مع أيديولوجيا صراع الهويات بنزعتيها المركزيتين، المركزية العربية الإسلامية والمركزية الأفريقية، فالنزاع الراهن فى السودان لايفسره النزاع بين الهويات، بل إن تبدّى الصراع كنزاع بين هويات هو الذى يحتاج الى تفسير ولايصلح مطلقا أن يكون عاملاً مفسراً. إن مجرد وجود هويات متنوعة لايصلح مطلقاً أن يكون أساساً للنزاع بينها. وهذا يعنى أن نفهم الظروف التى تدفع جماعة من الناس إلى إدراك الهوية كنواة مغلقة وصلدة ومن ثم تدفعهم للانسياق وراء الذين يستغلون هذا الوهم لصالحهم.[5] إن صراع الهويات ليس صراعاً ميتافيزيقياً بين هويات مغلقة خارج التاريخ ذات طبائع وخصائص جوهرية وإنما هو صراع تاريخى، بمعنى أنه صراع اجتماعى وسياسى، أى صراع حول السلطة والثروة ولظروف بعينها أصبح هذا الصراع يدار على أسس من استراتيجيات الهوية. وهذا مايجب فضحه.
وبناءً على ذلك فإن الموقف الذى أعبر عنه يطرح معالجة ذات شقين لأزمة الهوية فى البلاد. الشق الأول على الرغم من أنه يقوم على المقدمات السابقة إلاّ أن التجربة التاريخية تؤدى إليه أيضاً. فصراع الهويات قد قاد البلاد إلى طريق مسدود ينذر بتفتيت البلاد وفقدانها ومن ثم يجب أن نستبدل الأسس التى يدار عليها الصراع الاجتماعى والسياسى من أسس استراتيجيات الهوية إلى أسس قانونية ودستورية يخضع الأفراد وفقاً لها لعملية تكامل سياسية مع الدولة الدستورية الديمقراطية بمقتضى موافقتهم على مبادىء الدستور من منظور تفسير يتحدد بالفهم السياسى والأخلاقى للمواطنيين والثقافة السياسية للبلاد بحيث لايتم اجبار أى فرد على عملية تكامل ثقافية تتطلب تجريده من ثقافته وتعويده على طريقة حياة وممارسات وعادات ثقافة اخرى[6] وكما هو واضح فإننا نستبدل عملية التكامل الثقافية، التى تسعى الى فرض ثقافة مركزية واحدة على البلاد والتى خاضت فيها البلاد منذ الاستقلال وبلغت اقصى تطرفها مع نظام الجبهة الاسلامية، بعملية تكامل سياسية تفرض نظاماً ووحدة تقوم على أسس دستورية وقانونية تعبر عن منظور سياسى وأخلاقى للمواطنيين وثقافتهم السياسية.
أما الشق الثانى من المعالجة فيبدأ من الأصل المصطنع للهوية الذى يجعل فى مقدورنا ان نستبدل استراتيجيات الهويات فى البلاد بأخرى جديدة. استراتيجيات جديدات للهويات تدعم عملية التكامل السياسية وتبتعد عن الصراع السياسى والاجتماعى. هذه الاستراتيجيات الجديدة تفتح الهويات على رموز وقيم رمزية من تاريخها فتستعيد المركزية العربية الاسلامية مكونها الافريقى وتنفتح المركزية الافريقية على فكرة التعددية الثقافية ( التى تشكل الأساس الحقيقى للهوية اليوم ) فيتجاوزا معا مركزيتهما العرقية والاثنية الى استراتيجية جديدة للهوية السودانوية وهى استراتيجية ـ بالضرورة ـ لاتؤدى الى السيطرة والعداوة بل تؤدى إلى المشاركة وإلى التواريخ المشتركة والمتقاطعة وإلى تجاوز التصورات المغلقة عن الهويات. هذا التصور يتجاوز الآفروعربية التى فضحها من قبل د. عبد الله على ابراهيم[7] كمحاولة لمثقفين شماليين للتخفيف من غلواء ثقافتهم العربية الاسلامية وتزمتها بإدخال مكون متخيل أفريقى عليها وفشل المشروع لأنه مجرد تنويع على المركزية العربية انتهى برفض المركزيتيين لها كما ذهب إلى ذلك د. عبد الله.
كان لابد من الإطالة فى إبانة إطار الموقف الذى أعبر عنه منعاً للإلتباس فى أمرٍ طابعه أصلاً ملتبس لكى يُقدم القارىء على متابعة محاولتى للتفكير النقدى فى نزاع الهويات وهو على إدراك واضح بموقفى من القضية. فأنا أعتبر نفسى على ذات السرج الذى يركبه د.فرانسيس ود.قرنق ،معاً، نريد سوداناً جديداً ولكن مع فارق أساسى وهو أننى لا أريده مقلوباً عن السودان القديم وإنما سودان جديد حقاً تقوم تصورات مثقفيه ومواطنيه على منجزات معارف الحضارة الانسانية المعاصرة وقمم فكرها الديمقراطى، سودان يستكمل اندراجه في مشروع حداثته ويحل على أساسها جميع أزماته. هذا الاطار ستتضح تفاصيله فى ثنايا محاولتنا النقدية وأطروحاتها البديلة.
يطرح د.فرانسيس رؤية هى الوجه الآخر من عملة وجهها الأول هو المركزية العربية الأسلامية رغم أنه يرى أن المواجهة الحاسمة سوف تكون بين الاسلاميين والعلمانيين بقيادة الجنوب مع مشاركة عناصرمن الشمال[8] إلاّ أن الاسلاميين عند د. فرانسيس إنما هم يعبرون عن النموذج الأكثر حداثة للهوية فى الشمال تماماً كما تعبر الحركة الشعبية لتحرير السودان عن النموذج الاكثر حداثة للهوية فى الجنوب. وهذان النموذجان تبلوران عبر فترات طويلة من تاريخ يحمل افتراضات عميقة الجذور.[9]
نشأت الهويتان المتنافستان فى الشمال والجنوب عبر مراحل متوازية ـ كما يرى د. فرانسيس ـ وكان لكل من الهويتين مرحلة تقليدية هيمنت عليها الهياكل والقيم القبلية، فالشمال يتبع النهج الاسلامى والجنوب يتبع التقاليد المحلية الافريقية. وفى الحالتين تسيطر على المجتمع علاقات الاسرة والمصاهرة والنسب والتى على أساسها تتحدد مقامات المواطنيين اعتماداً على النسب والسن والجنس (ذكر أم أنثى). فالزعماء ينحدرون غالباً من أسر تحظى بالهيمنة السياسية والدينية والنساء يخضعن للرجال وعلى الأطفال البر بالوالدين. ومن ثم تطور ذلك ـ كما يرى د. فرانسيس ـ عبر مرحلة انتقالية سادت خلالها الطائفية فى الشمال، وتوسعت آفاق التعليم الغربى التبشيرى ذى التوجه المسيحى وسط المتعلمين فى الجنوب[10] إلى أن انتهت الهويتان إلى النموذج الأكثر حداثة في الجبهة الإسلامية والحركة الشعبية. إن أول ملاحظة على هذا الوصف هي أنه ينظر إلى التطور السياسي ـ الاجتماعي على أساس أيديولوجيا صراع الهويات وبسبب ذلك فهو يموه كل تاريخنا السياسي ـ الاجتماعي ليبدو كصيرورة تجلي لجوهرين ميتافيزيقين مستقلين تماماً عن بعضهما البعض، هما الهوية العربية الإسلامية والهوية الأفريقية. إن النتيجة الطبيعية التي تترتب على هذا المنطق هو أن هذين الجوهرين المستقلين لن يلتقيا أبداً إلا إذا ألغى أحدهما الآخر، وهي النتيجة التي سيصل إليها د.فرانسيس كما سنرى بعد قليل، وإذا لم يقع ذلك فإن مآل البلاد هو الانفصال.
غير أنني أود الاستطراد في ملاحظة تتعلق بوصف الجبهة الإسلامية والحركة الشعبية بالنموذجين الأكثر حداثة للهويتين العربية الإسلامية والأفريقية على التوالي. إن هذا الوصف، المرتبط بتمويه تاريخنا السياسي ـ الاجتماعي ليبدو كصيرورة تجلي للهويتين، يستبعد عن هذا التاريخ مشروع الحداثة نفسه وبالتالي يستبعد أهم القوى الاجتماعية التي ترتبط بهذا المشروع ألا وهي القوى التي درجنا على تسميتها في تاريخنا السياسي الحديث بالقوى الحديثة. إن أيديولوجيا صراع الهويات تقصي مشروع الحداثة لأنها تفهم التاريخ كتجلي لجوهر واحد هو الجوهر القومي وهي بذلك تلغي التركيب والتمايز والتعددية التي هي أسس مشروع الحداثة وأهم خصائصه (من المستحيل أن نطلق كلمة “الحديث” على مجتمع يسعى قبل كل شئ لأن ينتظم ويعمل طبقاً لوحي إلهي أو جوهر قومي).[11] ولذلك كانت النتيجة الطبيعية هي أن تختفي القوى الحديثة وأهم وقائع تاريخنا السياسي الحديث المرتبطة بها من تاريخنا الاجتماعي السياسي كما تفهمه أيديولوجيا صراع الهويات.
إننا وإن كنا قد إستنتجنا هذا النفي والاستبعاد لمشروع الحداثة وقواه استنتاجاً بالنسبة إلى د. فرانسيس فإن د. قرنق يشير إليه بوضوح. فد. قرنق يضع إستنتاجاً يقول أن السودان القديم قد وصل إلى النهاية وأنه، الآن، لا توجد فرصة لاستمرار السودان القديم، فإما أن يتحقق السودان الجديد أو تتمزق البلاد،[12] وهو إستنتاج نتفق فيه مع د. قرنق، ولكن د. قرنق يبني على هذا الإستنتاج نتيجة ترى أن القوى التقليدية يمكن أن تلتحق بمشروع السودان الجديد بل يرجح د. قرنق ذلك ويرى أنه ربما تغيرت القوى “التقليدية” أكثر من القوى “الحديثة”[13]بسبب قابليتها للتغيير من أجل منفعتها الذاتية.[14] وهذا ما نختلف فيه. صحيح أن القوى التقليدية إذا أرادت أن تحكم السودان فلابد من أن تغير طرائق حكمها ولكن هذا لا يعني أنها ستلتحق بمشروع السودان الجديد إلاّ إذا فهمنا هذا المشروع على أساس أيديولوجيا صراع الهويات التي تستبعد مشروع السودان الجديد كمشروع للحداثة. إن القوى التقليدية نقيضة لمشروع السودان الجديد كمشروع للحداثة ولذلك فهي لا يمكن أن تلتحق به، هي يمكن فقط أن تعيد إنتاج السودان القديم بشكل مختلف ومشوّه.
هذا النفي لمشروع الحداثة هو الذي جعل د.قرنق في حواره مع القوى الحديثة يوجه تساؤلاً مستنكراً ومستفزاً جداً لقوى التقدم والحداثة عن ماهية مظاهر الحداثة في أطروحاتهم. وهو استنكار، للأسف، ينفى ما انجزته القوى الحديثة كظاهرة اجتماعية واضحة في السودان لها إضافاتها في الحياة السودانية، منها ما يخص المجتمع المدني وما قام به الحزب الشيوعي على صعيد النقابات واتحادات الشباب والنساء أو ما يسميه الحزب الشيوعي السوداني بالقطاع الحديث، ومنها ما يخص مساهمتها في ترسيخ قيم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والدور الحاسم الذي لعبته في صياغة البرنامج الديمقراطي الاجتماعي، برنامج السودان الجديد حقاً، ولا يخفى تأثير هذا البرنامج على الحياة السياسية في السودان بما في ذلك تأثيره على الحركة الشعبية نفسها.
إن أسس تفكير قرنق القائمة على أيديولوجيا صراع الهويات أدت ببساطة لحصر التناقض بين القوى التقليدية، وهي قوى قومية، والقوى الجديدة، وهي طبقاً لقرنق قوى قومية أيضاً. فالتناقض الأساسي الذي يحدد المجتمعات في السودان هو التناقض القومي، (فحتى أولئك الذين يسكنون المدن، إذا هرشت جلدهم بأظافرك، فإنك ستلمس “ريفيتهم”)[15] ولقد وضع المحرر “ريفيتهم” بين معقوفتين للدلالة على أن معناها هو “قوميتهم” لأن الكلام يدور أصلاً عن أهمية عامل القوميات بالنسبة للسودان الجديد. ولتأكيد هذا المعنى فإن د. قرنق يرى أن النقابة هامة جداً بالنسبة للعمال فيما يخص أحوالهم المعيشية و(لكن عندما يتعلق الأمر بالسياسة، فيما يتصل بالهوية، فهم يرجعون إلى ما أسميته “قواعدهم البدائية”).[16] إن د.قرنق يفهم التاريخ، شأنه في ذلك شأن د. فرانسيس، كتجلٍ لجوهر واحد هو الجوهر القومي. وبذلك تصبح القوى الحديثة لدي د.قرنق قوى على هامش الصراع تساوي تماماً البرجوازية الصغيرة في الماركسية لذلك أصبحت لا تؤثر في مجرى الرئيسي للصراع أو مآلاته. بل إن د. قرنق يتجنب، كما يقول، استخدام عبارة “حديثة” أو “تقدمية”[17] مما يتسق مع تصوره للعامل القومي كمحدد للتاريخ. ويمضي د. قرنق في منطق أيديولوجيا صراع الهويات إلى نهايته، ويرى أن جزءاً كبيراً من القوى التقليدية يمكنه الالتحاق بالسودان الجديد وذلك لأن الجبهة الإسلامية قد وصلت بالسودان القديم إلى نهاية طريقه المسدود، ومن ثم تتحول القوى الحديثة إلى قوى تقليدية. وهذا الكلام موجود بالنص حيث قال قرنق في حواره مع القوى الحديثة: (نحن نعمل معهم [أي القوى التقليدية] … المرة القادمة التي نلتقي فيها بعد عامين، يكون قد تم خلالها تحرك داخل القوى “التقليدية” بينما تستمرون أنتم على هذا المنوال حتى يحين وقت تجدون فيه القوى “التقليدية” قد أصبحت هي القوى الثورية وتصبحون أنتم القوى “التقليدية”).”[18] وهذا المنطق لا يمكن فهمه إلاّ على أساس أن القوى التقليدية ولأنها قوى قومية فإنها يمكن أن تلتحق بمشروع السودان الجديد بعد انهيار مشروعها، أما القوى الحديثة فلا مكان لها في هذا المشروع لأنها خارج تاريخه، وهو ما يفسر لماذا كانت الحركة الشعبية وما زالت أكثر اقتراباً للقوى التقليدية في التجمع الوطني من القوى الحديثة.
هذا الموقف يعبّر بالضبط عن تناقض التماثل الذي يتحول فيه النقيض ويصبح متماثلاً مع نقيضه فينتهيا إلى هوية واحدة، وهذا ما توصلنا إليه من قبل. أن أيديولوجيا صراع الهويات تؤدي بالحركة إلى نقيض ما تريد تحقيقه؛ فينتهي تحررها إلى سيطرة، وسودانها الجديد إلى السودان القديم. والتداخل الذي يشير له د.قرنق باعتبار أن مجتمعاتنا تتمايز به مما يجعل التغيير ممكناً[19] لا يشكل تفسيراً كافياً لإمكان تحوًل القوى التقليدية إلى قوى حديثة، بل إن هذا التداخل هو الذي يحتاج لتفسير ولا يمكن إثباته وكأنه شيء ميتافيزيقي لا مبرر له. ولا يمكن تقديم تفسير لهذا التداخل إلا إذا تبنينا رؤية أن السودان تكمن أزمته في أنه لم يكمل اندراجه في مشروع الحداثة. ولكل ذلك فإنني اعتقد أن رؤية د. قرنق والحركة الشعبية تعبّر نظرياً عن مشروع حداثة ملتبس، وبالمقدمات النظرية والأسس التي تعتمدها لن تؤدي إلى سودان جديد ولذلك فإن دوراً أساسياً يمكن أن تلعبه تلك القوى التي استنكرها د. قرنق، أعني القوى الحديثة، إذ عليها في حوارها مع الحركة الشعبية أن تعيد إنتاج معرفة تفتح الطريق للسودان الجديد.
ويرى د. فرانسيس في مصطلح الهوية، الذى صار جوهراً للعملية التي تكوّن تاريخنا الاجتماعي والسياسي، تعبيراً عن الطريقة التى يصف أو يعرّف بها الأفراد أو المجموعات ذواتهم أو تعريف الآخرين لهم استناداً على العرق، الاثنية، الدين، اللغة أو الثقافة. إلاّ أن د.فرانسيس يركز على العرق والاثنية ويرى أنهما أساس الهوية على الرغم من احتواء تعريفه على النظرة الذاتية والثقافة. لأن النظرة الذاتية والثقافية لايمكن ان تكون أساساً للهوية وأنها لابد أن تكون منسجمة مع الحقائق الموضوعية التى هى دوماً عرقية وإثنية، لكى تكون صحية ومعافاة. أما إذا كانت الهوية غيرمتسقة مع الحقائق الموضوعية أى العرقية والإثنية فهى إنما تعكس حالة مرضية ونظرة ذاتية مشوهة ومهزوزة. ولذلك يهاجم فرانسيس الأكاديميين الذين تبنوا الذاتية والثقافة كعامليين حاسميين فى تحديد الهوية ويرى أنهم قد عرّضوا ماهو واضح المعالم إلى الضبابية والتشويش.[20] هذا الفهم للهوية القائم على العرق والاثنية يجعلنا نفهم التطور الممرحل للهويتين المتنافستين فى الشمال والجنوب كتجلى لهوية ثابتة مغلقة تتخذ فى كل مرحلة تطور شكلاً معبراً عنها بالذات فى علاقتها مع الهوية الأخرى المنافسة لها، ومع ذلك تظل هى هى ذات الجوهر الميتافيزيقى الذى لايتغيّر مطلقاً.
ولا نحتاج إلى كثير عناء لنتذكر أيضاً أن الأصولية الإسلامية ترى الهوية العربية الإسلامية كجوهر ميتافيزيقى مغلق لايتغير مطلقاً. وكلا المركزيتين تقصى إحداهما الأخرى، فالمركزية الأفريقية التي يعبر عنها د. فرانسيس ترى أن الهوية العربية الاسلامية فى الشمال حالة مرضية يجب التعافى منها بالعودة الى الحقائق الموضوعية وبدراسة الجينات كدليل حاسم يجبر الشماليين الى العودة لحقائق العرق والاثنية وبذلك يعيدون بناء هويتهم بحيث يتم إقصاء مكونها العربى نهائياً وتسود البلاد فقط هويتها الأفريقية.[21] بينما المركزية العربية الإسلامية ترى فى الهويات الأخرى محض خلاء قيمى ومعرفى يجب أن تسارع الى ملئه بالهداية والرشاد، وأن رسالتها المقدسة فى حمل العالمين جميعا إليها، ومن ثم تقوم بتقسيم العالم إلى دارين فقط “دار للاسلام ” و” دار للحرب “، فكل ما ليس هى فهو عدوها.
ولأنهما وجهان لعملة واحدة فإن وجود إحداهما يستدعى وجود الأخرى وهو ماقاله د. فرانسيس حرفياً “ونرى أنه من الصعب رؤية كيفية بروز الشمال كوحدة واحدة دون أن يكون وجود الجنوب عامل تحدٍ متحد ، هذا إن لم يكن عاملاً بينا للتهديد. وينطبق نفس الشىء على الجنوب لأنه لولا وجود الشمال لما نمت وحدة الهدف”[22] وإذا قرأنا هذا المقتطف مع مقتطف آخر “فالجنوب يمثل الهوية الافريقية والشمال يرى بأنه يمثل الهوية العربية الاسلامية”[23] تكتمل لدينا صورة النقيضين اللذين يعبران عن ذات المقدمات النظرية والفكرية والسياسية. ولذلك فهما نقيضان زائفان. النقيض الحقيقى هو النقيض المختلف لا النقيض المتماثل، وهو الذى يتجاوز الهوية ولا يلغيها. وإذا كان د. فرانسيس يشير أحياناً إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان بإعتبارها ممثل الجنوب الذى يقود مشروعاً وطنياً وعلمانياً وديمقراطياً فإن وطنية هذا المشروع تتجسد فى أفريقيته كما رأينا، أما علمانيته فتعبر عنها المسيحية والتعليم الغربى اللذان استوعبتهما هويته الافريقية، أما ديمقراطيته فتعانى من مشاكل حقيقية فى الحركة بإعتراف د. فرانسيس نفسه. وهذا يعنى أن مشروع الحركة الشعبية يعبر جوهرياً عن مركزية أفريقية بالنسبة إلى قراءتنا النقدية لرؤية د. فرانسيس.
ويمكن هدم هاتين المركزيتين بهدم النواة المغلقة المتضمنة فى كل منهما سواء أكانت هذه النواة المغلقة عرقية أوإثنية أو كانت ثقافية. فهنالك اتفاق عام بأنه لا يوجد فى العالم عرقاً نقيّاً. ود.فرانسيس نفسه يورد فى كتابه المنشور فى عام 1973م والذى ترجمه الاستاذ محمد على جادين فى عام 1999م بعنوان ” مشكلة الهوية فى السودان” أن هنالك صعوبة فى تحديد انتماء وهوية الشمال أو الجنوب على أساس عرقى.[24] فإذا كان أمر اختلاط الشمال معروفاً فإن د. فرانسيس يورد فى الهامش إشارات إلى تمازج القبائل النيلية بعناصر حامية قوقازية ويورد ملاحظة بروفسير ايفانز برتشارد وشكه فى أن هنالك قبيلة أو مجموعة فى السودان يمكن أن تدعى أنها زنجية. لأن شخصيتها غير الزنجية وحياتها الرعوية ولدرجةٍ ما تركيب لغاتها ترجع إلى مزيج وتأثير حامى.[25]
إن تحليل د.فرانسيس فى كتابه صراع الرؤى يفترض أن الإثنية حقيقة موضوعية، بينما هى مجرد واقع يخص الوعى، وهو يريد أن يكون الإنتماء الى الإثنية موروثاً ويرجع إلى أصول قديمة بينما هو يتغير مع الزمان والمكان. وهنالك وفرة من المؤلفات الانثربولوجية او التاريخية تثبت أن المجتمعات السابقة على الاستعمار كانت كلها تقريباً متعددة الاثنيات وتضم تشكيلة كبيرة من المجموعات الثقافية، وأن أشكال التعبئة الاجتماعية أو الدينية كانت تشمل إثنيات متعددة، وأن أفريقيا الغابرة لم تكن بالتأكيد شبكة من الاثنيات.[26] هذا إذا كانت هذه النواة عرقية أو إثنية أما إذا كانت هذه النواة المغلقة ثقافية كما تدعى أحياناً المركزية العربية الاسلامية وتصر على اعتبار ثقافتها ككيان ثابت ومغلق على نفسه بتمثيلاته وعقائده ورموزه. فإن هذا شطط واضح لأن أية ثقافة يجرى خلقها فى التأثير والتفاعل المتبادل وتستمر فى التغير والتبدل والتطور وفقاً لهذه العملية. والأمثلة أكثر من أن تحصى فالتاريخ الإنسانى كله شاهد على هذه العملية. فقد تأثرت عقائد الثقافة العربية الإسلامية بمؤثرات الفلسفة اليونانية حتى فى أصول فقهها الذى تأثر بالمنطق الأرسطوطالى.
إن الحياة الانسانية لا تعرف الهويات التى تنطوى على أنوية مغلقة فما من هوية إلاّ وقامت على تعددية ثقافية، فكل الثقافات هجينة كمايرى إدوارد سعيد ومفكرون نقديون آخرون. فمبدأ الهوية، عند هؤلاء، مبدأ سكونى يشكل لباب الفكر الثقافى خلال العهود الاستعمارية، فالأوربيون هم الذين شكلوا شيئاً جوهرياً هو الـ”نحن” مقابل الـ”هم” وكل واحد منهما مستقر تماماً. هذا الانقسام يمكن أن نعود به إلى التفكير اليونانى عن البرابرة ولكنه أصبح علامة مميزة للثقافة الامبريالية ولتلك الثقافات التى كانت تسعى إلى مقاومتها. ويخلص ادوارد سعيد إلى أن جميع الثقافات منشبكة إحداها بالأخريات وليست بينها ثقافة منفردة ونقية محضة، بل كلها مهجنة، مولدة، متخالطة،متمايزة الى درجة فائقة، وغير واحدية.[27] إن الهوية لا تعبر عن جوهر ميتافيزيقي بل عن صيرورة تاريخية واجتماعية واقتصادية.
لقد لعب الاستعمار الدور الاساسى فى تصليب الهويات والثقافات. ففى افريقيا الموغلة فى القدم كانت التقاليد عبارة عن عمليات تطورية مستمرة متواصلة ومفتوحة، وجاء الاستعمار وجمدها ـ بحجة المحافظةعليها ـ فى تقاليد وفلكلور بتأثيره الأيديولوجى ونصوصه القانونية وبمحاولته لتثبيت أماكن الأهالى أو توجيه هجراتهم. هذه هى خبرتنا مع التجربة الاستعمارية فى بلادنا، ولذلك نزعم أن الهويتين المتنافستين هما نتاج السياسات الاستعمارية شأنهما فى ذلك شأن سائر الهويات التى ارتبطت بالثقافة الامبريالية وبمقاومتها أيضاً كما قلنا من قبل. وهنالك حيثيات أخرى تدعم هذا الاستنتاج من واقع خبرتنا أيضاً بالتجربة الاستعمارية فالطائفتان الأساسيتان اللتان تعبران عن هوية شمال السودان، فى المرحلة الثانية من تطورها كما يرى د.فرانسيس دينق، وهما طائفتى الأنصار والختمية، هما نتاج السياسات الاستعمارية التى أكدت شرعية امتلاك الأرض وحولتها إلى وثائق قانونية، وأقامت مؤسسات سياسية جديدة، ووزعت المصادر الاقتصادية، وحددت الأوضاع الاجتماعية، وأنشأت قيماً اخلاقية واقتصادية وسياسية جديدة أكسبت الدولة الكولونيالية صفة الدولة الحقيقية. وسياساتها فى الجنوب هى التى أدت إلى تكوين هويته بتجميده فى تقاليد وفلكلور وبتأثيرها الايديولوجى ونصوصها القانونية التى سيطرت على حركة السكان، كما رأينا قبل قليل. ونستطيع أن نستخلص من ذلك أن ظاهرة الانتماء لهوية إثنية ظاهرة حديثة تماماً، مرتبطة بالدولة “المستوردة” ـ بالدولة الكولونيالية ـ وليست راسباً أو إنبعاثاً جديداً للثقافة التقليدية.[28]
إن التصور الذى يرفض مبدأ الهوية السكونى ويرى الثقافات كهجنة وتعددية، يهدم أيضا إحدى أهم الأفكار التى تقوم عليها رؤية د.فرانسيس وهى الفكرة التى ترى أن الطابع الجوهرى للهوية فى الشمال هو الإستيعاب، بينما الطابع الجوهرى للهوية فى الجنوب هو المقاومة. إن هذه الفكرة تبدو فى ظاهرها وكأنها مجرد تعبير عن وقائع تاريخية، بينما الإقتراب النقدى منها يفضحها لأنها تقوم على تصور مغلق للهوية لا ينفتح على التعدد فيصير بذلك الإستيعاب خللاً وظاهرة غير سوية كان لابد أن تنتهى إلى حالة باثولوجية (مرضية) يعانى فيها الشمالى من التشوش والاهتزاز فى نظرته إلى ذاته. بينما يعبر فيها الجنوبى عن وضع صحى ومعافى. فمن الطبيعى أن ترفض الهوية المغلقة الانفتاح على الآخر بمقاومته ورفضه وهو ما نجح فيه الجنوب فصار الأقرب إلى واقع الحال وإلى الحقائق الواقعية، بينما فشل الأفريقى الشمالى ولذلك تم إستيعابه وأصبح موقفه غير منسجماً مع إدعائه العروبة. هذا التصور لا يمت بصلة بمناهج التفكير النقدى التى ترى فى العالم الهجنة والتعددية وأن إنسان هذا العالم يقيم هويته على التبادل والتهجين والاستعداد للتأقلم.
هذه الفكرة الهامة فى رؤية د. فرانسيس تعبر عن رد فعل لإستعلاء المركزية العربية الإسلامية فى الشمال بإستعلاء أفريقى مضاد. وما يؤكد هذا الاستنتاج حجة ثانوية يوردها فى أكثر من موضع وتعتمد على فكرة الاستيعاب والمقاومة. وهى حجة تسقط العبودية عن سكان الجنوب، وهو محق فى ذلك، ولكن لتلصقها بالشماليين، وهو غير محق فى ذلك. يقرر د. فرانسيس فى هذه الحجة أن سكان الجنوب الذين بقوا فيه ترسخ لديهم الاحساس بالهوية والكبرياء عبر مقاومتهم الظافرة ليظلوا أحراراً من العبودية والهيمنة، بينما معظم الشماليين ينحدرون من إختلاط بالعبيد من الجنوب. إن وصف معظم الشماليين بأنهم ينحدرون من أصول عبودية لا تسنده حقائق التاريخ وإنما يسنده فقط منطق الثأر. فكلنا يعلم أن التزاوج والاختلاط بين النوبة فى شمال السودان والعرب المهاجرين لم يكن قائما على الرق والعبودية. وهذا الاختلاط هو الأساس لمعظم القبائل فى وادى النيل فى شمال السودان. ولا يمكن أن يتصف معظم الشماليين بأصول عبودية إلا إذا كان الاستيعاب الذى يصف به د. فرانسيس هويتهم يعنى استعبادهم واسترقاقهم. وهو ما لا يمكن أن يصح ولكنه منطق المركزية والمركزية المضادة يجعلهما تتبادلان الإقصاء والإزدراء والإحتقار.
ولأن رؤية د. فرانسيس يسودها منطق المركزية والمركزية المضادة فإنها لا ترى مخرجا للأزمة إلا بفحص صحة وشرعية إدعاء العروبة وسوف يوضح ذلك الفحص عدم وجود أساس للإنقسام العرقى المفترض، الذى تقوم عليه مشاعر التحامل والتمييز. ورغم أن د. فرانسيس يورد إحتمال آخر وهو التسليم الجدلى بأن السودانيين الشماليين عرقيا عرب ولكن ما يهم هو أنه يجب عليهم الكف عن التصرفات العنصرية تجاه غير العرب، إلاّ أن هذا الاحتمال الآخر يرد فقط كإحتمال منطقى وقياسى ـ على حد تعبير د. فرانسيس ـ أى أنه لا يرد كخيار عملى وذلك بسبب دعوته للسودانيين الشماليين بأن يتصرفوا بطريقة تعكس مشاعرهم العرقية الطبقية المتأصلة. ولذلك فإن البديل هو الخيار الذى يفضله د. فرانسيس وهو الإقرار بأن هذه المشاعر لا تقوم على حقائق. أما إذا أصر الشماليون على نظرتهم الذاتية بأنهم عرب فإن الإنصاف والعدل يمليان بأنه يجب عليهم ألاّ يفرضوا إرادتهم على الجنوب وإن عليهم قبول إنفصال البلاد.[29] إن حجة د.فرانسيس تمضى على النحو التالى: إن على الشماليين إذا أرادوا أن يحفظوا للبلاد وحدتها أن يتخلوا عن مكون هويتهم العربى على أساس من الحقائق العرقية التى تنكر عليهم هذا المكوّن. أما إذا رفضوا ذلك وتمسكوا بذلك المكوّن من هويتهم فإن الأمر سينتهى إلى الإنفصال لأنهم لن يستطيعوا أن يعملوا على الضد من مشاعرهم العرقية الطبقية المتأصلة. إن إقصاء المكون العربى من هوية الشماليين هو شرط وحدة البلاد. وأعتقد أنه تحت شروط هذا الاقصاء المتبادل بين المركزيتين المتضادتين فإن المخرج الوحيد لأزمة البلاد هو الانفصال.
وإذا كانت رؤية د.فرانسيس تعبّر عن المركزية الأفريقية المضادة للمركزية العربية الإسلامية بحيث تتبادلان الإقصاء المتبادل فإن د.قرنق يطرح مركزيته الأفريقية على نحو أكثر تعقيداً. فد. قرنق يرى أن وحدة السودان مفادها أن الوحدة أساسها التنوع التاريخي والمعاصر. وعرف التنوع التاريخي بأنه الحضارات القديمة في السودان كحضارة كوش والممالك النوبية والمسيحية والهجرات العربية الإسلامية والحكم التركي ودولة المهدية والاستعمار والحكومات الوطنية. بينما عرّف التنوع المعاصر بأنه القوميات والاثنيات والثقافات المتعددة وأن السودان به 500 مجموعة تتحدث أكثر من مئة لغة وتعتقد في أديان مختلفة.[30] ورغم أن هذه الرؤية تبدو وكأنها تقرير لوقائع تاريخ السودان ولحقائق تركيبه الإثني والثقافي ومن ثم تبدو وكأنها بداهة إلاّ أنها تخفي منهجاً يعزّز النظر لأزمة السودان كأزمة صراع هويات وبالتالي تخفي الأساس الاقتصادي ـ السياسي لهذه الأزمة. فهذا المنهج برؤيته لتاريخ السودان كتاريخ متصل لا انتقال فيه يرتبط ماضيه بحاضره في التعبير عن التنوع في صيرورة مستمرة تعبّر عن جوهر واحد إنما يخفي تطور مجتمعات السودان من مجتمعات قديمة إلى مجتمعات تقليدية ثم أخيراً إلى مجتمعات حديثة معاقة، من مجتمعات أحادية إلى مجتمع يتمايز بالتعدد والتركيب الذي يميز الحداثة ومجتمعاتها. هذا الاخفاء يحجب الأزمة من حيث هي أزمة اكمال معاق لاندراج السودان في مشروع حداثته. إن اعتماد أيديولوجيا صراع الهويات للنظر إلى الأزمة في السودان تضليل أيديولوجي هو امتداد أو انعكاس لتضليل أيديولوجي آخر يفرض هوية عربية إسلامية لتوحيد البلاد تحت سيطرة قوى اجتماعية بعينها. والتضليل الأيديولوجي لا ينتج إلاّ نتائج مضللة فيصير إعادة إنتاج السودان القديم هو السودان الجديد، ويصير إعادة إنتاج السيطرة تحرراً. إن هذا النقد القاسي للحركة الشعبية لتحرير السودان رغم أنها تمثل واحدة من أكبر قوى التغيير في السودان ضروري لينفتح الأفق أمام وحدة السودان ولانجاز خطوات في مشروعنا الاجتماعي للتحرر.
وما يؤكد ما ذهبت إليه من أن د. قرنق يرى تاريخ السودان كصيرورة مستمرة تعبّر عن جوهر واحد من التنوع أن اقتراحه لحل الأزمة يتمثل في صهر عناصر التنوع التاريخي والمعاصر كي ننشئ أمة سودانية ونستحدث رابطة قومية نتجاوز بها هذه المحليات ونستفيد منها دون أن ننفي أياً من هذه المكونات الأخرى.[31] إن قرنق يعتمد حلاً قومياً للأزمة في السودان يقوم على رابطة قومية تصهر التنوع التاريخي والمعاصر وهو بذلك يعتمد تصور أن الأزمة في السودان أزمة صراع هويات ولكنه يرى الحل لا في تخطي وتجاوز هذا الصراع وإنما في حله أيضاً حلاً قومياً مما يعيد إنتاج الأزمة وأسس السودان القديم مجدداً. إن رؤية قرنق للهوية رؤية ملتبسة فهو يتحدث عنها كرابطة قومية ولكنه وفي نفس الصفحة يعود ليتحدث عنها كرابطة اجتماعية سياسية[32] لها خصوصية وهذه إشارة بليغة على الالتباس في الموضوع. ففي ذات الوقت الذي يركز فيه قرنق على قيام دولة قومية يتحدث عن رابطة تاريخية لها خصوصية تاريخية واجتماعية وطبعاً هذان أمران مختلفان تماماً ولا يمكن المساواة بينهما. فالرابطة الاجتماعية السياسية لا تعني بأي حال رابطة قومية ولا تقتضيها وإن كانت لها خصوصية تاريخية واجتماعية. ويتضح الالتباس أكثر في التحليل الذي يذهب إلى أن السودان قام منذ الاستقلال على شوفينية إثنية ودينية، وأي شكل من الشوفينية يقود إلى الفاشية ومن ثم فإن ما يحدث في السودان يشبه ما حدث في إيطاليا الفاشية وألمانيا النازية وما حدث في جنوب أفريقيا[33] رغم أنه تشابه جزئي. صحيح أن الفاشية والنازية والنظام العنصري في جنوب أفريقيا أنظمة شوفينية كما هو نظام الأصولية الإسلامية في السودان ولكن من الضروري أن نتذكر أن مقاومة هذه الأنظمة لم تتم على أساس عنصري أو قومي أو على أساس صراع الهويات بل على العكس تمت المقاومة وفهمها المقاومون على اعتبار أن أسسها اقتصادية ـ سياسية واجتماعية. وهذا يعكس مقدار الالتباس الذي يتسم به مشروع الحركة الشعبية وقائدها د. قرنق لتحرير البلاد.
إن الاستنتاج الأساسي لقرنق هو أن السودان القديم القائم على الظلم وعدم العدالة وعلى الاستبعاد هو السودان الذي يقوم على استبعاد مكونات محددة وهو ما أفرز الأزمة الراهنة وأقام وحدة السودان على أسس ومكونات محدودة في أبارتيد الجبهة الإسلامية.[34] قرنق يستخدم هذا الاستنتاج كإحدى أدوات فهمه للواقع السوداني، بينما الاستنتاج نفسه هو الذي يحتاج إلى التفسير: لماذا حكمت القوى الاجتماعية التي سيطرت على البلاد منذ استقلاله وأنتجت سلطتها في إطار من التشتت والتجزئة والاحتراب؟ إذ كان من الضروري أن تنعكس تلك السلطة القائمة على التشتت أيديولوجياً كهيمنة ومركزية قومية ودينية. إن الاستنتاج الذي يعتمد عليه قرنق لا يوفر أية فرصة لحل أزمة السودان المتمثلة ـ وفقاً لقرنق ـ في حصرنا العملية القومية في المكونات العربية الإسلامية وتجاهلنا للمكونات الأخرى إذ أن الحل القومي مهما بدا أنه قائم على الانصهار والتمازج فهو كرابطة قومية أي كعلاقة بين قوميات ستبرز فيها دائماً علاقات سلطة بين هذه القوميات ترجح بعض المكونات على الأخرى. ولذلك فإن الحل يقبع خارج الحل القومي وخارج الدولة القومية.
وهذا يقودونا إلى سؤال هام في حياتنا السياسية والثقافية: هل الاعتراف بالتنوع والتعدد العرقي والثقافي والديني كافٍ لحل الأزمة في السودان؟ أم الكيفية التي نرى بها هذا التنوع والتعدد هي التي تحل الأزمة؟ إن غالب القوى السياسية والتيارات الفكرية في السودان الآن تعترف بالتنوع والتعدد ولكن المشكلة تكمن في الكيفية التي تراه بها. فجميع ألوان الطيف السياسي والفكري تردد مقولة “الوحدة في التنوع، والتنوع في الوحدة” التي أصبحت أكلشيهاً محفوظاً تردده حتى الأصولية الحاكمة في السودان (فيما يبدو وكأنه تناقض مع مشروعها الأصولي ولكنه ليس كذلك، كما سنرى)، ومع ذلك فإن الأزمة في السودان تتفاقم. إن الاعتراف بالتنوع والتعدد غير كافٍ لحل الأزمة لأنه غير كافٍ لتأسيس الوحدة إذ أننا ننظر للتنوع والتعدد باعتباره تنوع وتعدد مفردات ذات جوهر ميتافيزيقى وبالتالي معزولة عن بعضها البعض ولا تجد نفسها فيما هو مختلف عنها ولذلك فإن العبارة الصحيحة هي الوحدة ليست في التنوع بل في الاختلاف لا بمعنى الاحترام الأخلاقي للمختلف بل بمعنى التضمين للآخر. إن اعتمادنا للهوية كاختلاف، طبقاً لأسس التفكير الفلسفي المعاصر، يجعل محاولة إمساكنا بهويتنا الجارية في الواقع مستحيلة لأنه يصعب تقديم مفهوم يتطابق معها في التعبير عنها. ورغم إحساسنا بهويتنا إلاّ أنه لا يمكن التعبير عنها إلا بما لا ينتمي لها. ووحدة التنوع لا تكون إلا في التنوع الذي يتعرف على هويته في الآخر. ولذلك فان مقولة الوحدة في التنوع هي أيضا مقولة مضللة، مثلها مثل مقولة صراع الهويات ومثل مقولة المركز والهامش، ومن السهل أن يستعملها الجميع لأن الوحدة الموجودة فيها مجردة وحدة قائمة على إجراء تكييف الحياة مع الآخر المختلف ولا تعني تضمين الآخر المختلف في النظر إلى صيرورة هويتنا، أو على نحو أدق، في النظر إلى صيرورة هوية اختلافنا.
وأحد التناقضات الثانوية التى ترد فى كتاب صراع الرؤى لد. فرانسيس وتشير إشارة قوية للمركزية العرقية لديه هو إحتفائه بالأصول الدينكاوية لقادة ثورة 1924 ـ وليس فى ذلك مشكلة فنحن أيضا نحتفى بهم وباصولهم الدينكاوية ونرى فيهم رموزا للوحدة الوطنية والتكامل القومى وتعزيزا لهما ـ مستنتجا من ذلك أن الجنوبيين وبشكل خاص الدينكا قد قاموا بتصعيد الحركة الوطنية فى الشمال وأشعلوا ثورة 1924 فى جميع أنحاء القطر،[35] وكل ذلك صحيح و لا غبار عليه، ولكن ما يثير الحيرة حقا هو أنه عندما ينتقد زين العابدين عبد التام، وهو أحد قادة ثورة 1924 من الدينكا وكان له دورا بارزا فى قيادة الثورة بكل من ملكال و واو، عندما ينتقد البند الخاص بالجنوب فى الدستور المقترح للحكم الذاتى فى عام 1951 والذى تمت صياغته لحماية مصالح الجنوبيين ولقيام وزارة خاصة بالمديريات الجنوبية وإقامة مجلس شئون الجنوب فإن د. فرانسيس لا يتوانى فى وصفه بأنه جنوبى مستعرب متأسلم ويعلق على وصفه لنفسه بأنه جنوبى بأنه تعبير غير سليم عن هويته المستوعبة.[36] وإذا وضعنا فى الإعتبار وضعية زين العابدين عبد التام التى تماثل تماما وضعية قادة ثورة 1924 الآخرين من الدينكا فإننا لا بد أن نتساءل كيف يكون الدينكا هم الذين أشعلوا ثورة 1924 فى كل أنحاء القطر، ثم نصف ذات القادة من الدينكا بأن هويتهم مستعربة متأسلمة ومستوعبة ولا تعبر عن الجنوبى؟!! ولكنه منطق المركزية العرقية الذى يريد أن ينسب عملا جليلا كثورة 1924 لعرقه لينوه بالدور الهام لعرقه فى تاريخ البلاد وحركتها الوطنية وعندما يتناقض ذات القادة، الذين بسببهم تمت نسبة الثورة إلى الدينكا، مع مصلحة الجنوب يصبح هؤلاء القادة مستعربون ومتأسلمون ومستوعبون ولا يمثلون الجنوب وكأنما ذات الإنسان يصدر فى كل فعل من أفعاله عن هوية مختلفة. وإذا كان ذلك يصح بالنسبة لتيارات الفلسفة المعاصرة فإنه لا يصح لمن يعتقدون في فلسفة الهوية ويرون في الهويات العامل الأساسي المحدد للتاريخ.
إن تجاوز أزمة البلاد يكمن فى النقيض المختلف الذى يتجاوز المركزيتين معاً ويحولها من عوامل مفسرة إلى عوامل تحتاج إلى تفسير. هذا النقيض المختلف يتمثل فى مهمة إكمال إندراج البلاد فى مشروع حداثتها. وهى مهمة تحملها قوى إجتماعية غض النظر عن هويتها وأصولها العرقية والإثنية، تعمل على الانتقال بالبلاد من بناها التقليدية إلى بنى حديثة فى السياسة والإقتصاد والإجتماع. هذا الانتقال يتم على أساس معرفى هو التنوير، كإطار نظرى تعددى عقلانى نقدى يشمل العقلانية والتجريبية والعلم الطبيعى والتربية والتعليم بوصفهما أدوات تغيير إجتماعى ونقد الكهنوت والنقد السياسى والإجتماعى، ويقوم عليه مشروع سياسى يتكون جوهره من حقوق الإنسان كما تعرفها المواثيق الدولية، والحقوق المدنية والسياسية، والعدالة والديمقراطية والمساواة. وغياب هذا المشروع هو الذى يفسر تبدى الصراع الإجتماعى والسياسى فى البلاد كصراع هويات. وهى النتيجة الطبيعية لسيطرة البنى التقليدية على الحياة السياسية والإجتماعية والإقتصادية.
ولقد أصاب د. فرانسيس فى وصفه للممثلين الأساسيين للهويتين المتنافستين فى البلاد: الجبهة الإسلامية والجبهة الشعبية لتحرير السودان، فقد أبان بوضوح إعتمادهما وتعبيرهما عن البنى التقليدية فى البلاد على الرغم من وصفه لهما بأنهما أكثر النماذج حداثة. إن ارتباط هاتين القوتين بالبنى التقليدية أعاقتهما وأعاقة البلاد كلها من تحقيق سلامها وديمقراطيتها وعدالتها. إن د. فرانسيس يرى أنه مع صعود الحركة الشعبية لتحرير السودان كقوة ذات نفوذ ومناوئة للحكومة الإسلامية، برز بذلك تبلور اتجاهين ثوريين هامين من الشمال والجنوب من خضم تقليدية المجتمع السودانى وكحاضن لهما.[37] كما إن الدولة والحركة الشعبية وفصيلها العسكرى وجدت فى القيم العسكرية التقليدية إطاراً مؤسسياً جاهزاً للتجنيد ورفع الروح المعنوية لدى مقاتليهم. إن إعادة إحياء تقليد المقاتل القبلى يعنى بأن القبيلة كسبت واحدة من قيمها المفقودة ـ تماسكها الداخلى، الذى يتم الحفاظ عليه تقليديا بتوجيه العداوات للغرباء والأجانب. وكانت المحصلة النهائية لذلك إعادة تنشيط القبيلة بدلا عن تحديث العملية السياسية.[38] كما يرى د. فرانسيس أن قوى التحديث فى الجنوب (والتى نفهم أن الحركة الشعبية تمثلها) قد دعمت ورسخت نظام القيم الثقافية التقليدى. وأن الحركة الشعبية تمثل إنصهارا لعناصر من التقليد والحداثة.[39] ويمكن أن نضيف إلى ذلك فيما يخص الجبهة الإسلامية إن مشروع التوحيد الدينى لديها يخرج من فكرة وحدانية الإله إلى توحيد كل مناحى الحياة ومجالاتها ومستوياتها على أساس دينى أصولى مما يجعل مشروعها ينتمى إلى القرون الوسطى ويتناقض جذريا مع مشروع الحداثة، الذى يقوم على التمييز المتنامى بين مجالات الحياة ومناحيها ومستوياتها، بحيث يتمتع كل منها بإستقلالها النسبى. وننتهى من ذلك إلى نتيجة نختلف فيها مع د. فرانسيس وهى أن الجبهة الإسلامية والحركة الشعبية تعبران عن حركة حديثة معاقة ومشوهة بحكم نشأتها فى حاضنة تقليدية ومحافظة ونموها دون أن تتحرر من البنى التقليدية لمجتمعها فصارت أقرب إلى التقليد منها إلى الحداثة فى فاعليتها وممارستها النظرية ورؤيتها.
إن الفارق بين الحداثة كمشروع نقدى جديد يتأسس على ما بعد الحداثة ونقدها والتحولات الجذرية فى العالم المعاصر وبين المشروع الذى تعبر عنه الجبهة الإسلامية والحركة الشعبية بوجهين متضادين، هو فارق كبير. فالحداثة الجديدة ترى فشل الدولة القومية حتى فى أوروبا. فقبل أن يعتلى خشبة مسرح التاريخ القوميون الصرب المتطرفون وغلاة الهوتو الروانديين بمليشياتهم المسلحة وأحلامهم وكوابيسهم المتعلقة بالهوية، كان قد اتضح غداة الحرب العالمية الأولى أن طريق أوروبا القوميات والإقتصاديات القومية طريق مسدود.[40] ومع التحولات الجذرية فى العالم المعاصر ومع ظاهرة العولمة فإن الدولة القومية التقليدية التى تتحدد بالقدرة على المحافظة على حكم القانون داخل حدودها عن طريق القوة وبالقدرة أيضا على المحافظة على هذه الحدود مستقرة بواسطة الجيش، هى بالضبط النوع من السيادة الذى أطاحت به ديناميات العولمة.[41] ومن ناحية فكرية ونظرية فقد تلازم صعود الهوية القومية مع ظهور الجمهوريات التى قامت على مبادئ عالية التجريد، لأنها تتجاوز سياق الحياة العادية وتفرض على المواطنين الأفراد أن يعاملوا أنفسهم والمواطنين الآخرين كفاعلين سياسيين لهم القدرة على إصدار أحكام فى الشئون العامة بعد التجرد من سياق حياتهم الخاصة. أى أن مبادئ الجمهورية كانت عالية التجريد لأنها تجاوزت طابع علاقات السلطة بين الحكام والمحكومين الذى كان سائدا فى العصور الوسطى وهو طابع جزئى وخصوصى وشخصى بين الأمراء والنبلاء والناس الذين يعملون فى مقاطعاتهم ولذلك فهى علاقة لا تتجاوز سياق حياتهم الخاصة. أما طابع علاقات السلطة فى الجمهورية فهو طابع مجرد لأنه قائم بين مواطنين يصدرون أحكاما عامة فى شئون عامة، ولذلك فهو طابع كلى وعام. ولأن الناس كانوا قريبى العهد بعلاقات السلطة ذات الطابع الشخصى والخصوصى فقد إحتاجوا إلى ما يعوضها لهم فى الجمهوريات الجديدة. ولذلك كان صعود الهوية القومية بعد ثورات نهاية القرن الثامن عشر يشكل تعويضاً مؤقتاً يوفر مستويات من التكامل الإجتماعى والتضامن الإجتماعى يجسر الفجوة بين المجزئ والخصوصى وبين الكلى والعام. وأصبحت القومية هى الأساس لتحول الذات إلى مواطن. ومن ثم نشأت ثنائية بين الطابع الكلى والمجرد للجمهورية والطابع الخصوصى والمجزئ للقومية. وهى ثنائية لم تكن مؤذية طالما كانت قومية الأفراد لها أولوية على قومية الدولة، أى عندما كانت القومية تعويضاً لعلاقات التضامن التى كانت سائدة فى الماضى. ولم تصبح القومية خطراً إلاّ عندما تم إرجاعها إلى حقائق ما قبل سياسية لشعوب شبه طبيعية، أى إلى شئ مستقل وسابق على تكوين الرأى السياسى التاريخى وعلى تكوين إرادة المواطنين أنفسهم.[42] وهذا هو السبب الذي صارت به الهوية القومية خطراً على وحدة السودان وشعبه لأنها بالضبط تعبر عند كلّ من الأصولية الإسلامية والحركة الشعبية عن جوهر ميتافيزيقي سابق على الرأي السياسي وتكوين إرادة المواطنين.
إن بناء الدول القومية (الأمة) كمقولة تاريخية استنفدت أغراضها وتجاوزها التاريخ الإنساني أو على أبواب تجاوزها. وأن الحاجة إليها كانت هي حاجة الناس لها بسبب قربهم التاريخي من السلطة التي تنتج على أساس شخصي وحتى تقترب علاقات السلطة القائمة على مفاهيم مجردة في الجمهورية من علاقات السلطة الشخصية التي كانت قائمة في المجتمعات الإقطاعية، والآن لم تعد هنالك حاجة لوجود روابط عرقية أو ثقافية بين الناس لكي يفهموا حقوقهم وواجباتهم ويناقشوا قضاياهم العامة وحقوقهم الإنسانية، بمعنى أن الإنسانية قد كبرت على هذا الطور وتخطت بمراحل عديدة وبتجربة هائلة وغنية السلطة ذات الطابع الشخصي والخصوصي. ومن ناحية أخرى فان مفهوم القومية مفهوم مصطنع ارتبط بنشأة الجمهوريات كي يوفر الرابط اللازم مع الطابع الشخصي والخصوصي لعلاقات السلطة السابقة ويتضح اصطناعه من كونه نتاجاً للمخيال الاجتماعي بما في ذلك الآداب والفنون فمثلاً، نحن في شمال السودان وبحقائق التاريخ لسنا عرباً فقط ولكننا بالمخيال الاجتماعي أقرب لإسطورة عنترة بن شداد وامرؤ القيس من حقائق تاريخ بعانخي وترهاقا رغم أنهم جدودنا بوقائع التاريخ ولذلك فمن البداهة القول أن المفهوم مصطنع ولا يصلح كأداة للتفسير بل يحتاج هو لتفسير.
ومع العولمة فقدت الإختلافات القومية أهميتها فى وجه النماذج الراهنة للتأثير الإقتصادى، والهجرة الإقليمية والعالمية، والتطور التكنولوجى، وصعود التدابير والمؤسسات الدولية، وعولمة المخاطر الإقتصادية والبيئية، بحيث فقدت الدولة القومية شرعيتها تحت ضغط العولمة الإقتصادى والسياسى. كما أن الناس لم يعدوا فى حاجة إلى ذلك التعويض المؤقت لتوفير مستويات من التكامل الإجتماعى والتضامن الإجتماعى إذ أمكن إستبدال الهوية القومية بهوية ثقافية، على أن يتم فهم الثقافة على نحو عريض لا على نحو خصوصى، بحيث يتوفر للأفراد أشكال محددة من الخلفيات المعرفية والقاموس اللغوى والتجارب التاريخية المشتركة والإلتزامات التفسيرية (أى المادة الأخلاقية) ليشكل كل ذلك شرطا لتبنّى المبادئ المجردة وإجراءات الدولة الدستورية الديمقراطية. وهذا يعنى أن الأساس الأخلاقى لإستيعاب المواطنين الأفراد فى الدولة الدستورية قد تمت تلبيته بأن ترشح المادة الأخلاقية فى المبادئ المجردة للدستور الديمقراطى.[43]
لقد كانت الدولة القومية جزءاً من مشروع الحداثة الكلاسيكي في بداياته ولذلك فمن الطبيعي أن يكون أساسها النظري والفلسفي جزءاً من الأساس النظري والفلسفي لمشروع الحداثة الكلاسيكي، أي جزءاً من التنوير في القرن الثامن عشر في أوربا. وانسجاماً مع تنوير القرن الثامن عشر قامت الدولة القومية على أساس فلسفي للهوية يقوم على التماثل والأحادية، متوافقاً مع الطابع العام للعقلانية ونظرية المعرفة في ذلك السياق التاريخي. فقد ساد في التنوير مفهوم العقل الواحد القائم على النفي والاستبعاد للتعدد والاختلاف مما شكل أساساً معرفياً لنظام اقتصادي ـ سياسي أورث الإنسانية كوارث عظيمة، مثل الاستعمار والفاشية والنازية والشمولية. والآن تتعرض العقلانية الأحادية ومعها فلسفة الهوية إلى نقد جذري من تيارات ما بعد الحداثة وما بعد البنيوية التي أنتجت نقداً عميقاً لمشروع الحداثة وحاولت نفيه نفياً مطلقاً إلاّ أنها فشلت بسبب من عدم قدرتها على تجاوز الأساس النظري والفلسفي لفلسفة الهوية؛ وأنتجت الوجه الآخر لما انخرطت في نقده. وظهرت تيارات أخرى، وعلى رأسها مدرسة فرانكفورت وهابرماس، استعادت التنوير والحداثة ولكن على أسس جديدة وبدلاً من الذهاب في اتجاه الوصول إلى عقل واحد ذي طابع علموي ذهبت إلى عقلانيات متعددة تتلاءم مع المفاهيم الجديدة المتعلقة بمسألة الهوية التي تعتمد على التعدد والاختلاف وليس الانسجام والاتساق.
لقد فقدت الدولة القومية والهوية القومية مشروعيتها السياسية ومشروعيتها المعرفية في سياق التحولات السياسية والفلسفية التي جرت في العالم. وهناك عملية تجري الآن وتنخرط فيها قوى التغيير في العالم تتجاوز الدولة القومية وهويتها إلى الكوسموبوليتانية باعتبارها الصيغة الديمقراطية الاجتماعية من العولمة أو العولمة ذات الطابع الإنساني. إن أية حركة سياسية تسعى للتغيير تحت تصورات أيديولوجيا الهوية وإعادة إنتاج الدولة القومية، وإن على نحو جديد، إنما تقيد نفسها ومجتمعها وتكبلهما باستنتاجات تعيق تطورهما وتعيد بذلك إنتاج الأزمة وتغلق أفق حلها. إننا لا يمكن أن نبني مشروع تحرر على أساس الهوية فهي، كما رأينا، ترتبط معرفياً بأسس تفكير السيطرة وتتناقض مع فكرة الجديد مما يجعلها سياسياً تعيد إنتاج السودان القديم، سودان السيطرة والقهر. ونخلص من كل ذلك على أنه فى الوقت الذى تتخطى فيه قمم التفكير النقدى المعاصر الدولة القومية وهويتها فإن بلادنا يتهددها خطر التفتت بسبب أزمة هويتها، التى يفسرها عدم إكتمال إندراج البلاد فى مشروع الحداثة وبالتالى غياب المشروع ذاته. إن تجربتنا التاريخية ومعارف وقيم الحياة الإنسانية المعاصرة تجعلنا لا نفقد الأمل بل ونبصر أفقاً لتحرر البلاد وإشاعة سلامها واستعادة ديمقراطيتها وهزيمة مشاريع تخلفها والإلتحاق بالحياة الإنسانية المعاصرة ومدنيتها.
المراجع
[1] راجع الفصل الخامس (في تميز الشكل الكولونيالي من نمط الإنتاج الرأسمالي) من القسم الثاني، وهو فصل يصف تجدد أنماط الإنتاج ماقبل الرأسمالية في نمط الإنتاج الكولونيالي وهو ما يهتم به هذا المقال دون سائر الاستنتاجات النظرية في هذا الفصل.مهدي عامل، مقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني، الطبعة الثالثة، دار الفارابي، بيروت، 1980م، ص 341-369
[2] Peter Osborne, Adorno and the Metaphysics of Modernism: The Problem of a ‘Postmodern’ Art, in The Problems of Modernity, Adorno and Benjamin, edited by Andrew Benjamin, Routledge, London and New York, 1991, pp. 37-38 [3] Ibid. [4] Max Pensky, Cosmopolitanism and the Solidarity Problem: Habermas on National and Cultural Identities, In Conestellations Volume 7, No 1, Blackwell Publishers Ltd., Oxford, 2000, p. 65 [5] جان فرانسوا بايار، أوهام الهوية، ترجمة: حليم طوسون، الطبعة الأولى، دار العالم الثالث، القاهرة، 1998، ص 88. [6] Max Pensky, Op Cit., p 7 [7] د. عبدالله على إبراهيم،الأفروعبية أو تحالف الهاربين، فى الثقافة والديمقراطية فى السودان، مجموعة مقالات، الطبعة الثانية، دار الأمين، القاهرة، 1999م، ص 15- 28. [8] د. فرانسيس دينق،صراع الرؤى، نزاع الهويات فى السودان، ترجمة عوض حسن، الطبعة الأولى، مركز الدراسات السودانية، القاهرة، عام 1999م، ص 36. [9] المرجع السابق، ص 70 [10]المرجع السابق، ص 24-28 [11] ألان تورين، نقد الحداثة، ترجمة أنور مغيث، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 1997م، ص 29 [12] جون قرنق، رؤيته للسودان الجديد وإعادة بناء الدولة السودانية، تحرير وتقديم د. الواثق كمير، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2005م، ص 148- 150، 174- 175 [13] المرجع السابق، ص 166 [14] المرجع السابق، ص 161- 162 [15] المرجع السابق، ص 154 [16] نفس الصفحة السابقة [17] المرجع السابق، ص 170 [18] المرجع السابق، ص 166- 167 [19] المرجع السابق، ص 169 [20] د. فرانسيس دينق، صراع الرؤى، مرجع سابق، ص 357-400 [21] المرجع السابق، نفس الصفحات [22] المرجع السابق، ص 215 [23] المرجع السابق، ص 30 [24] د. فرانسيس دينق، مشكلة الهوية فى السودان، أسس التكامل القومى، ترجمة محمد على جادين، الطبعة الأولى، مركز الدراسات السودانية، القاهرة، 1999م، ص 7. [25] المرجع السابق، ص 16. [26] جان فرانسوا بايار، مرجع سابق ص 33- 39. [27] إدوارد سعيد، الثقافة وألإمبريالية، ترجمة: كمال أبو ديب، الطبعة الأولى، دار الآداب، بيروت، 1997م، ص 69- 70. [28] جان فرانسوا بايار، مرجع سابق، ص 39. [29] د. فرانسيس دينق، صراع الرؤى، مرجع سابق ص 399-400 [30] جون قرنق، مرجع سابق، ص 73، 76-77 [31] المرجع السابق، ص 77 [32] المرجع السابق، نفس الصفحة [33] المرجع السابق، ص 80 [34] المرجع السابق، ص 85 [35] د. فرانسيس دينق، صراع الرؤى، مرجع سابق، ص 106-177 [36] المرجع السابق، ص 125 [37] المرجع السابق، ص 24 [38] المرجع السابق، ص 214 [39] المرجع السابق، ص 224-225 [40]جان فرانسوا بايار، مرجع سابق، ص 8. [41] Max Pensky, Ibid., P 74 [42] Ibid., P 65- 67 [43] Ibid., P 67- 68



