بحوث ودراسات

عن العلمانية (2)

د. مجدي عز الدين حسن

يذهب أبعد من ذلك بتكفيرهم والفتوى بسفك دمهم، وهو ما نقرأه بشكل لا لبس فيه من عنوان الباب الثامن ” في مقتضى فتوى الشرع في حقهم من التكفير والتخطئة وسفك الدم”

 

وما هو جدير بالملاحظة إنما يتمثل في التناقض الذي وقع فيه الغزالي: ففي الوقت الذي يسعى فيه الغزالي إلى تبيان فساد معتقد الروافض والباطنية( المعارضة السياسية للخلافة العباسية آنذاك) عن الإمامة المتمثل في قولهم ” أن الإمام يساوي النبي في العصمة والإطلاع على حقائق الحق في كل الأمور، إلا أنه لا ينزل عليه الوحي، وإنما يتلقى ذلك من النبي فإنه خليفته وبإزاء منزلته” نقول أنه في نفس الوقت الذي يبين فيه الغزالي فساد معتقد معارضي السلطان وقولهم بعصمة أئمتهم، نجده يصدر من نفس المنظور الذي ينتقده، صابغاً على الخليفة العباسي نفس العصمة التي ينتقدها في مذهب الخصوم، حيث يصفه ب ” المواقف المقدسة النبوية الإمامية المستظهرية”، و” الرأي النبوي الشريف”، و” الأوامر الشريفة المقدسة النبوية”..الخ.

 

هكذا نفهم الدور الخطير الذي لعبه الفقه الإسلامي في توطيد دعائم أركان السلطة من خلال توظيف وتسخير الفقه كأداة فعالة في إضفاء الشرعية على السلطة الحاكمة والتنكيل بمعارضيها وتكفيرهم والفتوى بإحلال سفك دمهم، ففي ظل الفقه السلطاني الذي لا يفصل بين الدين والسياسة، يتحول المعارض السياسي والثائر المسلم إلى كافر يتوجب جهاده، وفي ذلك يقول الغزالي: ” ولو نبغت نابغة في طرف من أطراف الأرض على معادة هذه الدولة الزاهرة ـ يقصد الدولة المستظهريةـ لم يكن فيهم أحد إلا ويرى النضال دون حوزتها جهاداً في سبيل الله نازلاً منزلة جهاد الكفار”

 

وفي ظل تسييس الدين وتديين السياسة، نرى السلطان نداً لله: خطب الخليفة المنصور العباسي في الناس فقال: ” أيها الناس، إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه ورشده، وخازنه على ماله، أقسمه بإرادته وأعطيه بإذنه، وقد جعلني عليه قفلاً إن شاء فتحني وإن شاء أغلقني” ويورد ابن تيمية في معرض حديثه عن ضرورة الإمارة: ” ولهذا روي ( إن السلطان ظل الله في الأرض)، ويقال: ( ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان) وكما يجب طاعة الله كذلك يجب طاعة السلاطين، وألا ننزع يداً من طاعتهم. ولا يجب أن ندعو عليهم وإن جاروا علينا بل على العكس يجب أن ندعو لهم بالصلاح والمعافاة. وكما يجب الصبر على القدر الإلهي كذلك يجب الصبر على جور الأئمة، وكما يُحرم عصيان الله كذلك يُحرم الخروج على الحاكم. ” كيف بدأ الإسلام ديناً يدعو إلى تحرير الإنسان من العبودية والخضوع لغير الله عز وجل إلى دين يوجب على أتباعه الخضوع للرؤساء والعلماء مهما انحرفوا وبدلوا، بدعوى طاعة أولي الأمر؟…..كيف ندعو شعوب العالم الحر ـ الذي تساوى فيه الحاكم والمحكوم حيث الشعب يحاسب رؤساءه، وينتقدهم علانية ويعزلهم بطرح الثقة بهم، ولا يستطيع الحاكم سجن أحد أو مصادرة حريته أو تعذيبه، إذ الحاكم وكيل عن المحكوم الذي يحق له عزله ـ إلى دين يدعو أتباعه اليوم إلى الخضوع للحاكم وعدم نقده علانية، وعدم التصدي لجوره، والصبر على ذلك مهما بلغ فساده وظلمه، إذ طاعته من طاعة الله ورسوله؟! كما يحرم على هذه الشعوب الحرة أن تقيم الأحزاب السياسية أو تتداول السلطة فيما بينها لو دخلت في الدين الجديد؟!”

 

وإذا نظرنا إلى الكيفية والطريقة التي بواسطتها وبناءً عليها ذهب فقهاء أهل السنة والجماعة إلى القول بتجويز انعقاد الخلافة بعهد التولية ـ حيث جوزوا أن يعهد الخليفة لابنه من بعده أو أخيه، أو يعهد لأكثر من واحد من أبنائه بعد ترتيب الخلافة بينهم ـ ومتأخراً أضافوا القهر والقوة كطريق ثالث لانعقاد الخلافة. لوجدنا أن في هذا خلط للدين بالسياسة، بل وتوظيف للدين في خدمة السياسة. وهو الأمر الذي لا مكان له في ظل الدولة العلمانية.

 

وأخيراً: إن كنّا قد ركزنا هنا على المسوغ التاريخي والمسوغ الأخلاقي للعلمانية، فسوف أقوم في مقالي القادم بإيراد المسوغ الأبستمولوجي للعلمانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى