
عندما نُلقي نظرة متقصية على التكوين الاجتماعي لمدينة الفاشر، لا نجد أيًا من أحيائها قد عُرف أو تعارف عليه بأنه حي خاص بقبيلة الفور. ما يدفعنا إلى قول ذلك هو أن مدينة الفاشر، لمن يعرفها، تتكون من أحياء، وخاصة القديمة منها (الفاشر الكلاسيكية)، سُميت بأسماء قبائل. على سبيل المثال، نجد حي الجوامعة (قبيلة)، وحي الأسرة (قبيلة)، وحي الدادنقا (قبيلة)، وحي الشرفة، والطريفية، والتكراير، والكفوت، والهوارة، والترك (أولاد الريف حاليًا) … إلخ. كلها أسماء لأحياء مثلما هي أسماء لقبائل، وهذه الأحياء المذكورة تمثل أغلب أحياء الفاشر القديمة.
السؤال إذن: كيف لم يكن للفور أي حي باسمهم، مع أن السلطان نفسه ينتمي إليهم؟ أضف إلى ذلك أن وجود قبيلة الفور حتى الآن ضعيف داخل الفاشر، رغم أن وجودهم ازداد بعد حرب 2003، خاصة في شمال الفاشر (نيقاشا). الإجابة على هذا السؤال تدفعنا لفتح نفق عميق وطويل في الذاكرة التاريخية والسياسية والاجتماعية للمدينة. علينا من خلال هذا السؤال وحده أن نعيد النظر مرتين أو أكثر، في محاولة للرد على جوهر التاريخ والذاكرة، وإعادة الإمساك بصيرورة المدينة إن أمكن. لكن هيهات، لأن الذاكرة تفلت دومًا في كل محاولة للإمساك بها، ويتم إعادة اختراعها وابتكارها عند محاولة استعادتها. ومن هنا، نحن نعيد تشكيل مدينة الفاشر بحدسنا التاريخي والثقافي وحسنا الجغرافي والاجتماعي في محاولة لتمثل التاريخ.
إذا فلنعد إلى السؤال. إجابته تكمن في استبيان الغرض الذي من أجله بحث السلطان عبدالرحمن الرشيد عن أرض أخرى غير الأرض التي كانت عليها سلطة أجداده ليُقيم عليها سلطانه. ولأنه في الأصل هارب وشارد من تاريخه وماضيه وأسرته، فقد هرب من قبيلته أيضًا، هرب منهم ليضمن استمرار سلطانه على السلطنة. ولكي يحمي سلطته، ترك البلاد والعباد خلفه ليبني سلطة جديدة. ببساطة، فكر السلطان عبدالرحمن الرشيد بطريقة ثورية أدت في النهاية إلى تغيير كل موازين السلطة وأعرافها. لقد أحدث الرشيد فتحًا مبينًا وجديدًا لم يكن له حساب في وقته.
التكوين العمراني والديمغرافي
لتوضيح ذلك أكثر، دعنا نلمح صورة الفاشر مع بداية سلطة عبدالرحمن الرشيد. بكل تأكيد، أول ما تم وضعه كأساس للمدينة هو قصر السلطان، وبالتالي فإن قصر السلطان يمثل حجر زاوية في تشكيل المدينة. وكما سبق أن ذكرنا، فإن قصر السلطان أُقيم على حافة وتخوم وادي تندلتي. وبالتالي تتضح الصورة لمن يعرف الفاشر، بأن الأساس كان البحيرة وما يحيط بها، ومن ثم السوق كمعلم ثانٍ (سوق حجر قدوه) باعتباره الأقرب إلى القصر، ثم تشكلت الأحياء التي تحيط بالقصر.
تجدر الملاحظة أن أحياء الفاشر القديمة (الكلاسيكية) كانت تمتد أكثر نحو شرق سوق حجر قدوه وجنوب البحيرة بصورة أكبر أيضًا، وعلى الجهة الشمالية الشرقية والشمالية بصورة أقل. أما الجهة الغربية فيبدو أنها كانت خالية من السكان، ومن الواضح أنها كانت ثكنات للجيش وحاشية السلطان. الصورة الذهنية القائمة على الحدس والحس التاريخي تقول إن حدود الفاشر شرقًا في ذلك الوقت كانت أحياء الجوامعة وكفوت إذا أخذنا ميلانًا من الوسط الشرقي إلى الشرق الشمالي، ومن ثم حي هوارة، وحي أسرة، وحي الطريفية. ثم شمالًا حي التكراير وحي الشرفة. ومن الجهة الجنوبية أولاد الريف ومكركا وتمباسي. ثم حي العظمة المتاخم للسوق، والذي يميل نحو الجنوب الشرقي، وفي أقصى الجنوب أحياء الدانقا. أعتقد أن هذه هي حدود الفاشر ونواتها إلى بدايات ومنتصف القرن التاسع عشر.
جاء الأتراك (الحكم التركي المصري) في نهاية القرن التاسع عشر، وفي تقديري لم يؤثر الحكم التركي على المدينة ديموغرافيًا في شيء، وإن كان هناك تغيير فبسيط لدرجة عدم الذكر، لسبب أن السلطة التركية في دارفور لم تدم طويلًا، وأيضًا لأنها جاءت متأخرة إلى دارفور مقارنة بباقي السودان الحالي.
التوسع الكبير
مع مجيء المهدية، أعتقد أن الفاشر تغيرت وتوسعت توسعًا واضحًا. في زمن المهدية، انضمت لخدمة الفاشر أحياء وديموغرافيات جديدة. أعتقد أن أحياء مثل الجيل والمصانع وسط وحي الصفاء وحي المعهد وحي الزيادية والقبة تكونت في زمن المهدية، وأصبحت أجزاءً من جسد الفاشر المتشكل. وصاحب ذلك دخول قبائل التنجر بصفة أكبر إلى داخل الفاشر في فترة المهدية، ودليل ذلك تركز القبيلة حول أحياء مثل الجيل والمصانع والصفاء والمعهد. وأيضًا قبيلة الزيادية والدليل اسم حي الزيادية … إلخ.
أما الفترة الإنجليزية فشأنها شأن الفترة التركية المصرية، لم تكن ذات تأثير اجتماعي وديموغرافي كبير على المدينة. تشعر وكأنها لحظة مرت مرور الكرام على المدينة.
أما التغيير والتوسع الأكبر جاء في زمن الحكم الوطني، وبالذات في أواسط الثمانينيات من القرن الماضي في عهد الرئيس جعفر نميري. وبالتحديد في السنوات التي عُرفت بسنوات المجاعة التي اجتاحت الناحية الشمالية الغربية من الإقليم. فسبب المجاعة كان الجفاف الذي غير ديموغرافية السودان بأكمله، ناهيك عن الفاشر. فتدفقت سيول من المجموعات البشرية إلى الفاشر، وتركز توسع المدينة وقتها من الناحية الجنوبية والجنوبية الشرقية، ومن الناحية الشرقية والشرقية الشمالية وقليل من الناحية الشمالية، حيث تدافعت قبائل مثل الزغاوة والتاما والارنقا، بحكم أن المجاعة حصلت في أراضي تلك القبائل نتيجة الجفاف. لذا، أحياء مثل حي الوحدة والسلام والثورة جنوب والتضامن هي أحياء تشكلت في تلك اللحظات بواسطة المجموعات المذكورة آنفًا.
ثم حدث التغيير والتحول والإزاحة الكبرى على الإطلاق لمدينة الفاشر في حرب دارفور في بداية القرن الحالي 2003م، حيث إن الحرب التي كانت تدور على تخوم المدينة وأريافها هجرت ونزحت آلافًا مؤلفة إلى داخل المدينة، ومنها تكونت أحياء ومعسكرات ملحقة بالمدينة. أضف إلى ذلك ظهور المنظمات الإقليمية والدولية جعل المدينة تزدهر على المستويين العمراني والثقافي والاجتماعي، حيث قامت أحياء جديدة أيضًا بسبب وجود المنظمات ودخول الدولار في القاموس النقدي للمدينة، فقامت أحياء مثل درجة أولى وحي الصحافة و… إلخ. ولا ننسى عهد الإنقاذ بأكمله وتأثيراته على المدينة فكريًا وثقافيًا واجتماعيًا، وهذا ما يحتاج إلى مساحة خاصة.
إجابة السؤال المركزي
إذًا بعد كل هذه الجولة التاريخية عبر القرون والعصور، فلنعد إلى سؤالنا الأساسي: كيف غاب الفور من مشهد الفاشر كمجتمع، وليس كحكام أو أفراد؟
مثلما ذكرنا سابقًا، فإن إرادة عبدالرحمن الرشيد وإرادة سلطته أرادت ذلك، في إقصاء الفور من شكل المدينة على الأقل في صورته الأولى. ولكن السؤال المركزي هو: كيف وبمن وطد السلطان سلطانه الفاشري؟
استعان السلطان في دعم وترسيخ سلطته بمجتمعات خارج دائرة دارفور، قبائل من غرب إفريقيا وشرق دارفور (كردفان والشمال). إنه لأمر مدهش ومثير للتأمل؛ فالمجموعات التي أسست الفاشر أغلبها مجموعات كانت تقطن خارج نطاق الرسم الجغرافي لدارفور في وقتها. لم يكن الفور ولا الزغاوة ولا المساليت ولا الرزيقات ولا التنجر ولا الزيادية ولا الداجو ولا البرتي… إلخ، هم من شكلوا نواة المدينة. بل كانت الجوامعة (كردفانية)، وكذلك الهوارة والطريفية والكفوت. أما من غرب إفريقيا، فالسلطان استعان بالدانقا والتكارير والأسرة والشرفة والهوسة… إلخ. ورحب بتلك المجموعات المختلفة للسكن في فضاء المدينة والمساهمة في تكوينها لأغراض مختلفة، منها الجندية وخدمة جيش السلطان، ومنها للأعمال الحرفية والصناعية، ومنها لأغراض التجارة، ومنها لأغراض الثقافة وخاصة الدينية.
إذًا، السلطان لكي يتقي شر أي انقلاب على سلطته، جلب الآخر والغير والغريب ليكونوا هم المواطنين والأصلاء. وهذا التكوين الفسيفسائي الرهيب أدى إلى خدمة وبناء المدينة والمجتمع المدني، وساهم في نزع أوهام الأصالة والشوفونية الزائفة، ومهد دومًا سبلًا للعيش المشترك وقبول فكرة أن الفاشر هي للكل ولا لأحد. ذلك لأن الكل أصيل والكل غريب، الكل ينتمي والكل لا يملك حق الانتماء.



