تحليل سياسي

الحروب السيبرانية؛ أي دروس للمستقبل؟

يس السوار

الدرس الأول: 

كان هناك نموذج كامل ينظم سياسة إنتاج الحقيقة حول الحرب، لكن هذا النموذج قد طُويَّ تمامًا ولم يعد يُفيد في فهم ما يجري في عالم الحروب ومدى تأثيراتها علينا. أعني أن اللغة العسكرية التي غزت العلوم الاجتماعية، بدءًا من ميدان المنظرين العسكريين في أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول منه، مثل مصطلحات التكتيك والاستراتيجية والحرب الشاملة والحرب الخاطفة، وغيرها، لم تعد صالحة اليوم. فحروب اليوم هي حروب هجينة تتحدى التقسيم المريح للعالم بين المدني والعسكري، والواقعي والافتراضي، وهي الثنائيات التي صنعت لغتنا حول الحروب وفهمنا لها.

الدرس الثاني: 

هناك سذاجة كبرى تقدمها لنا وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي، وتحاول إقناعنا بأن هناك حربًا عالمية ثالثة قادمة. وهذه السذاجة تشبه وجوه الخبراء الاستراتيجيين الكئيبة التي نراها على مختلف الشاشات. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية بقنبلتين نوويتين انتفت هذه الإمكانية تمامًا، وطبعًا تطورات النصف الثاني من القرن العشرين التي أدخلت عددًا من الدول إلى نادي الردع النووي تعزز هذه الفرضية. فلئن قُدر للعالم أن يدخل في حرب كبرى أخرى، فإنها لن تكون الحرب العالمية الثالثة وإنما ستكون الحرب الأخيرة. ويبدو أن السينما هي التي ترينا ذلك من خلال قائمة طويلة من الأفلام “القيامة” (Apocalypse) التي تحاول تعليمنا سيناريوهات نهاية العالم البشري. فكل ما يجري في العالم هي حروب صغرى أو حروب بالوكالة. فالذين ينتظرون من كيم أن يضغط على الزر الأحمر عليهم أن يتريثوا قليلاً. فكل ما يجري في إيران هو حرب بالوكالة (War by proxy) تلعب فيها إسرائيل دور رأس الحربة دفاعًا عن مصالح عدد هائل من الدول، تقف في مقدمتها الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي.

الدرس الثالث:

المعرفة، ثم المعرفة، هي التي تحدد من يتفوق في حروب اليوم وغدًا. فلم يعد الاقتصاد ولا التدريب والشجاعة ولا كل العوامل الأخرى التي قد تخطر على بالنا هي الحاسمة. فإسرائيل تفوقت وستتفوق على إيران ليس لأن الجيش الإسرائيلي أقوى أو أن الجندي الإسرائيلي أشجع، وغيرها من المعلومات الإعلامية التي يمنحنا إياها أفيخاي أدرعي ورفاقه العاملون في ورشة البروباغندا الإسرائيلية. الحقيقة أن الجيش الإسرائيلي تفوق ببساطة لأنه يملك معرفة أكثر. لاحظ في السنوات الأخيرة تواتر اغتيال العلماء والضربات التي تستهدف مراكز الأبحاث وجمع المعلومات

الدرس الرابع:

قيادات دول الخليج ليست غبية ولا تدفع تريليونات الدولارات هباءً منثورًا، ولا هذه البلاد تجهل السياسة، ولا الخليج مجرد كانتونات مليئة بالنفط بلا ثقافة أو حضارة أو أهمية. تابع الخطاب الشعبوي في السودان حول الإمارات “الدويلة” مثلاً. فهذه الدول أصبحت خطيرة استراتيجيًا في الشرق الأوسط، ودولاراتها التي تنفقها تخدم مصالحها العليا؛ فهي تدفع مقابل أن تتخلص من أعدائها مثل الإخوان وحزب الله والنظام الإيراني. طبعًا، هذا الإنفاق الكبير هو إنفاق مفهوم بحجم وخطورة جماعات الإسلام السياسي الإرهابية وأدوارها التخريبية المشهودة في السودان واليمن وسوريا والعراق والصومال وغيرها من الدول. فهذه الجماعات عندما تصل إلى السلطة في دولة ما، فهذا إنذار مباشر لانهيار هذه الدولة، لكننا سنناقش هذه النقطة في درس قادم.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى