بناء السلام وفض النزاعات

حين يختزل الفقر في النهب: تفكيك خطاب الإثنيات المذنبة في السودان”

مريم عبد النبي

في قلب هذا السؤال البسيط: لماذا يرتبط النهب بإثنيات بعينها بينما الفقر عام ولا يستثني أحدا؟ ينكشف لنا وجه أعمق للعالم، وجه الاستعمار والهيمنة، حيث لا تعود الجريمة مجرد فعل فردي بل تتجسد كنتاج لبنية تاريخية كاملة. إن الفقر في السودان ليس جديدًا، وكما كتب محمد أبو القاسم حاج حمد فإن المأزق التاريخي للسودان لا يكمن فقط في أزماته الاقتصادية، بل في تشابك المركز والهامش حيث يظل الأخير مسرحا لإعادة إنتاج العنف والنهب [حاج حمد، 2002]. هنا يصبح من المشروع أن نسأل: لماذا لم يركب كل فقير دراجة نارية ويهجم على الآخرين؟ لأن ما يسمى بالنهب لا يولد في فراغ، بل في رحم البنية السياسية التي صنفت جماعات بعينها كهوامش دائمة، محرومة من الموارد والاعتراف.

فرانتز فانون في معذبو الأرض يفسر لنا ذلك حين يرى أن الاستعمار لا ينهب الأرض فقط، بل يزرع في وعي المستعمرين صورة عن أنفسهم كأدوات عنف، كأجساد تُستدعى في لحظة الحرب وترمى في لحظة السلم [فانون، 1983]. وما يحدث في بعض مناطق السودان اليوم يعكس هذا المنطق العميق: فالمجتمعات التي حرمت من التعليم، من الصحة، من البنية التحتية، هي نفسها التي يُعاد تقديمها كخطر، كرمز للنهب. بينما في الواقع هي ضحية طويلة الأمد لمشروع الدولة الذي صاغه الاستعمار، ورسّخته الحكومات الوطنية اللاحقة.

إدوارد سعيد في الثقافة والإمبريالية يشرح أن الإمبراطوريات لم تكن مجرد احتلال للأرض بل صناعة لسرديات: هناك من هم “حضاريون” وهناك من هم “متوحشون” [سعيد، 1997]. حين ننظر إلى الإعلام والخطاب العام في السودان نرى هذا الانقسام يُعاد إنتاجه: “النهب” يُنسب إلى إثنيات بعينها، بينما الفقر المنتشر في أماكن أخرى يُعتبر مجرد “معاناة اقتصادية”. بهذا الشكل يصبح الخطاب نفسه أداة استعمارية داخلية، تفصل بين “فقر بريء” و”فقر مهدد”.

الأمر لا يختلف عن الكونغو بعد الاستقلال، كما وصفت سيفيرين أوتيسير [Autesserre, 2010]: الدولة الضعيفة، الانقسامات العرقية المصطنعة، والفراغ الأمني أدت إلى عسكرة مجتمعات بعينها وتحويلها إلى فاعلين في اقتصاد النهب. ليس لأنهم اختاروا العنف بإرادتهم الفردية، بل لأن بنية السلطة فرضت عليهم أن يكونوا هكذا أو يختفوا.

أنِيبال كويجانو صاغ مصطلح “استعمارية السلطة” [Quijano, 2000] ليشرح كيف أن أنماط التراتب العرقي والإثني التي فرضها الاستعمار الأوروبي ما تزال تتحكم حتى اليوم في تقسيم العمل والثروة والعنف. في السودان، يمكننا أن نرى هذا في كيف يتم ربط “النهب” بجماعات إثنية هامشية، بينما جماعات أخرى تمارس نفس السلوكيات عبر أدوات الدولة والبيروقراطية، لكنها لا تسمى “نهابة” بل “مسؤولة” أو “سلطة”.

والتر مينغولو يذهب أبعد من ذلك حين يقول في الحداثة/الاستعمارية إن العالم الحديث لم يبنَ إلا على أساس تقسيم البشر إلى من يملك ومن يستملك [مينغولو، 2015]. النهب، إذن، ليس مجرد فعل عابر في الطرقات، بل هو انعكاس للطريقة التي تأسست بها الدولة القومية السودانية ذاتها: دولة تركز السلطة في الخرطوم وتترك الأطراف فرائس للحرمان والعسكرة. من دارفور إلى جبال النوبة إلى شرق السودان، يتكرر المشهد: يُحرم الناس من التنمية، ثم حين ينفجر العنف يُختزلون في صورة “عصابات”.

الأمثلة عديدة: في سنوات الحرب الأهلية بالجنوب، تم توصيف مجموعات الدينكا والنوير بأنها “عنيفة بالفطرة”، بينما كانت الحكومة المركزية تمارس سياسات الأرض المحروقة التي أحرقت القرى والمزارع. في دارفور، حين حمل بعض الشباب السلاح أو انخرطوا في النهب كرد فعل على التهميش، تم تصويرهم كجماعات خارجة عن القانون، بينما تم التغاضي عن دور السلطة المركزية في تسليح مليشيات بعينها واستخدامها كأداة للحرب. وكما كتب أحمد إبراهيم أبو شوك في دراسته عن دارفور، فإن جذور الأزمة ليست في “طبيعة” المجموعات، بل في البنية الاقتصادية والسياسية التي جعلت من الإقليم مستودعا للهامش [أبو شوك، 2008].

إذن، حين نسأل لماذا لا ينهب كل فقير، نجد الجواب في هذا التاريخ الطويل: الفقر وحده لا يصنع نهابة، بل البنية الاستعمارية/الاستبدادية التي تنتج “إثنيات نهابة” وتعفي أخرى من الوصمة. النهب هنا ليس فعلا فرديا بل هو مرآة لعلاقة الدولة بمواطنيها، ولإرث استعماري ما يزال حيًا في أجسادنا وخطابنا ووعينا.

منذ ثورة ديسمبر 2018، حين خرج آلاف الشباب والشابات يهتفون للحرية والسلام والعدالة، بدا وكأن السودان على أعتاب ميلاد جديد. لكن سرعان ما تكررت المأساة القديمة: المركز ظل مركزا والهامش ظل هامشا. في الخرطوم وعد الناس بالديمقراطية والانتقال المدني، بينما في الأطراف كانت قوافل النازحين تتزايد، والنهب يعود في صورته الجديدة – نهب موارد الذهب في جبل عامر، ونهب الأراضي الزراعية في القضارف والجزيرة، ونهب المعونات الإنسانية الموجهة للنازحين. وكما يلاحظ والتر رودني في كتابه كيف أُفقِرت أفريقيا، فإن الاستعمار لا ينتهي بخروج المستعمر العسكري، بل يستمر عبر آليات اقتصادية تجعل من الثروة ملكًا لفئة محدودة [رودني، 1981]. هذا بالضبط ما عاشه السودان بعد سقوط البشير: انتقال سياسي هش، بينما استمرت البنية الاقتصادية المنهوبة كما هي.

وفي الحرب الأخيرة 2023–2024، تجسد السؤال بشكل مأساوي: لماذا ينهب بعض المقاتلين المحلات والمخازن بينما هناك ملايين الفقراء الذين لم يفعلوا ذلك؟ هنا يتضح أن النهب ليس رد فعل طبيعي للفقر، وإلا لكان كل فقير في الخرطوم أو كوستي أو بورتسودان نهابة. لكن ما يحدث أن جماعات بعينها، تلك التي حُوصرت طويلا في التهميش والحرمان والتجنيد، تجد نفسها مدفوعة قسرًا إلى دائرة النهب. البعض ينهب لأنه جندي في مليشيا تُركت بلا رواتب لأشهر، والبعض ينهب لأنه في مدينة لا يملك فيها شبكة حماية اجتماعية، بينما فقراء آخرون في أماكن أخرى يملكون عائلة ممتدة أو جماعة تحفظ لهم حدًّا أدنى من الأمان.

في لحظة سقوط المؤسسات الرسمية، ظهر الفرق بين “الفقر العاري” و”الفقر المنظم”. الفقر العاري، الذي يعيشه ملايين في معسكرات النزوح، لا يجد ما يفعله سوى الاحتماء بالصمت والصبر. أما الفقر المنظم، الذي خلق بفعل سياسات عسكرة وتهميش، فهو الذي ينفجر في صورة نهب. هذا يذكرنا بتحليل ميشيل فوكو عن كيفية صناعة الدولة “لأجساد طيعة” تُستخدم كأدوات للعنف عند الحاجة [فوكو، 1975].

أمثلة السودان كثيرة: في دارفور بعد 2003، وُصمت بعض القبائل بأنها “قبائل نهابة” بينما كان الواقع أن الحكومة المركزية سلحتها ودفعتها إلى الحرب، ثم تخلت عنها لاحقًا. في الخرطوم 2023، تكرر السيناريو: مجموعات من الشباب المهمشين وجدوا أنفسهم فجأة في مدينة بلا دولة، فتحولوا إلى صورة “النهابين”، بينما بقية الفقراء – وهم الأغلبية – ظلوا في بيوتهم يعانون في صمت. هنا يظهر الوجه الحقيقي للسؤال: ليس الفقر ما يصنع النهب، بل البنية السياسية–الاقتصادية التي تصنع “نهابين رسميين” و”فقراء صامتين”.

إن إعادة إنتاج هذا الخطاب – خطاب “الإثنيات النهابة” – يهدد بتفتيت السودان أكثر، لأنه يحوّل الضحية إلى مجرم، ويعفي السلطة المركزية من مسؤوليتها التاريخية. ولهذا فإن الطريق الوحيد لتجاوز الأزمة ليس في لوم الفقراء أو شيطنة المجموعات، بل في تفكيك بنية الاستعمار الداخلي، وبناء دولة تعترف بالهامش كجزء أصيل لا كجسد زائد. وكما كتب أنطونيو غرامشي: “الأزمة تكمن بالضبط في أن القديم يحتضر والجديد لم يولد بعد” [غرامشي، 1971]، والسودان اليوم يعيش هذه اللحظة بكل تناقضاتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى