تحليل سياسي

من الخلافة إلى الشريعة: كيف يُعيد الإسلاميون إنتاج علاقات الهيمنة الاستشراقية؟

يس السوار

يمكننا أن نبدأ هذه المقاربة بفرضية مفادها أن حركات الإسلام السياسي، التي ظهرت عقب سقوط الخلافة العثمانية في عشرينيات القرن العشرين، هي حركات سياسية ابتلعت طُعم مقولات الاستشراق الكلاسيكي حول الإسلام والمسلمين، ولم تستطع التخلص منها؛ بل أعادت إنتاجها بنفس استراتيجياته المعرفية، وعلى ذات نسقه الذي ينتهي في التحليل الأخير إلى تصوير المسلمين ضمن قرية ميتافيزيقية روحية/شعرية/صوفية/صماء غير قابلة للتغيير، في مقابل مدينة غربية أوروبية علمية/تقنية ديناميكية وحيوية في حالة تقدم دائم. من خلال هذا النموذج، طفت على السطح مقولات عديدة في الثقافة العالمية، مثل “الاستثناء الإسلامي” و”الاستبداد الشرقي” وغيرها.

استلم الإسلاميون هذه الراية بوعي ساذج واستثمروها بشكل مريع كجسر للسيطرة على دول العالم الإسلامي. فبدلاً من الحقيقة الثابتة التي تتطابق فيها الذات العارفة مع الواقع، كما يزعم الاستشراق الكلاسيكي، أصبح الوحي/القرآن هو الوعاء الذي يحمل الحقيقة الكلية الكاملة التي تتطابق معها الذات الإسلامية العارفة. فامتلأ القرن العشرين بسيل جارف من المحاولات المضحكة لرد كل شيء يظهر في هذا العالم إلى القرآن، كما في ظهور مدارس الإعجاز العلمي بمختلف تنويعاتها وألوانها في العلوم. وانتقل هذا الأمر إلى السياسة، فأصبحت الأمة القومية – جماعة المواطنين – هي الأمة الإسلامية – جماعة المؤمنين، والشورى هي الديمقراطية، وإجماع علماء الأمة هو عينه الموافقة الشعبية التي تمنح الشرعية للحكومة، وقس على ذلك في الآداب والفنون. كيف حدث هذا؟

من المعلوم أن مجموعة المنتجين لخطاب الاستشراق الإسلامي المضاد هم من المتعلمين الذين درسوا في المدارس الحديثة التي أُنشئت خلال المرحلة الكولونيالية، وليسوا شيوخ خلاوي أو خريجي مدارس دينية. تفاعلوا مع هذه المنظومات وأعادوا إنتاج مقولاتها المذكورة أعلاه. فعقب صدمة سقوط الخلافة وظهور مفهوم الدولة/الأمة، لم تعد الخلافة القائمة على نموذج السيادة الكاريزمية – “الشخص الصنم”، الرجل العربي القرشي “حارس الدين وسائس الدنيا” – فكرة مجدية، وفقدت مشروعيتها. فتحولت إلى مقولة الشريعة، التي أصبحت النموذج المعكوس للقانون/الدستور، لتمثل التجسيد الرسمي لسيادة النص/الرمز، بدلاً من سيادة الخليفة المتدثر بعباءة الله.

عملياً، ظهرت هذه الأفكار في السودان تحديداً في منتصف الستينيات، عقب طرد النواب الشيوعيين من البرلمان، حيث بدأت هذه المقولات تدخل الساحة العامة. وفي أواخر الستينيات، بدأت مناقشة موضوع الدستور الإسلامي في البرلمان، لكن الانقلاب المايوي الشهير قطع الطريق أمام إجازته. والسؤال الكبير: لماذا ظهرت فكرة الدستور والشريعة في الستينيات تحديداً؟

في تقديري، تعود المسألة إلى انتقال الإسلاميين تدريجياً من الاستشراق الكلاسيكي، المبني على ثنائية الإسلام الروحي مقابل الغرب المادي، إلى نموذج المعرفة الذي فرضته البنيوية على أفق العلوم الإنسانية حينها. فأصبح الإسلام نسقاً مغلقاً بذاته، وإذا أردنا تفسير القرآن، فعلينا تفسيره تفسيراً موضوعياً بدراسة العلاقات الداخلية التي تشكل هذا النسق – “التفسير الموضوعي”. هذا الأمر حول القرآن من كتاب يُتلى للصلاة، ويُستخدم للاستشفاء والذكر، ويُستشهد به في مناسبات فقهية محددة، إلى نص ذي بناء كامل يُستنبط منه كل شيء. لاحظ، على سبيل المثال، ما كتبه حسن الترابي لاحقاً في “التفسير التوحيدي”، حيث جمع الآيات المتشابهة أو تلك التي تحكي قصصاً معينة وفسرها مع بعضها بعضاً. واستُخدمت هذه الاستراتيجية بشكل فاضح مع القرآنيين، عبدة اللغة المميزين في هذا القرن.

سياسياً، مثلت مقولة الشريعة معادلاً موضوعياً للقانون. فعبر هذه الكلمة الإيقونية، حاول الإسلاميون حل جميع ألغاز القانون من خلال “المماثلة والملاواة”، كما تكشف قوانين الإنقاذ المعروفة. إذا تمعنا في هذا الأمر، لا نستغرب القرب الشديد الذي جمع بين الإسلاميين والولايات المتحدة في حرب الإيمان والإلحاد خلال الثمانينيات في أفغانستان. فكلا الفريقين يتفقان في عقلانية الهيمنة هذه. يخدم هذا الأمر الولايات المتحدة، فوجود الإسلاميين في المعارضة يجعلهم أدوات سهلة الاستخدام في حروبها الأيديولوجية، ووجودهم في السلطة يجعلهم حلفاء محتملين يمكن لأمريكا ابتزازهم بسبب عدم شرعية نظم حكمهم، فتمد لهم جذر الحماية والدعم، وتتخلص من “الإرهابيين غير المفيدين” في دولهم – لاحظ، على سبيل المثال، كيف تخلصت أمريكا من المجاهدين في السودان بقيادة بن لادن في التسعينيات. وترفع عصا العقوبات إذا حاول أحدهم أن “ينفش ريشه أو ينفخ أوداجه”!

في النهاية، تُعد الحركات الإسلامية من أكثر الحركات التي تتجلى فيها فكرة السيطرة. ولهذا السبب، تكون فترات حكمها محكومة بالحرب والعنف بلا نهاية. هذا العنف نابع من أساس نموذجها المعرفي المذكور، ويشتق منه برنامجها الاجتماعي المسمى “الاقتصاد الإسلامي”، وهو الشق الثاني الذي يبرر قصة الاستنزاف الاقتصادي الذي ينتهي بالحرب أيضاً. سنتناول هذا الأمر من خلال علاقة الاقتصاد الإسلامي الريعي بالرأسمالية، خاصة تحولها المالي عقب انهيار اتفاقية بريتن وودز وظهور فكرة الاستثمار المالي وميلاد البنوك الإسلامية كنتيجة له. ف قصة الإسلاميين هي قصة إعادة إنتاج علاقات القوة الكولونيالية نفسها، بنماذجها المعرفية وبرامجها الاقتصادية، ولكن بقنانٍ جديدة في رأس “الأفندي الإمام”. لذا، لا معنى لترديد كليشيهات المقاومة والممانعة والتحرر التي يرددها صبية الإسلاميين الجدد – إحياء وتجديد وغيرهم – من خلال عدسات الماركسية و”لطشات” عبد الوهاب المسيري من زيجمونت باومان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى