
قراءة في أسباب التوتر الحدودي بين جنوب السودان وأوغندا على ضوء مواجهات كاجو كيجي
أتيم سايمون
أعادت المواجهات المسلحة التي اندلعت في 5 أغسطس 2025 بين قوات جنوب السودان والجيش اليوغندي في مقاطعة كاجو كيجي الواقعة جنوبي البلاد فتح ملف العلاقة المعقدة بين البلدين، وهي علاقة تشكلت على ارضية حدود موروثة من الاستعمار وتطورت في ظل تحولات سياسية إقليمية متسارعة، وتجمع الطرفين شبكة مصالح متداخلة، تبدأ بالترتيبات العسكرية وتصل إلى الروابط الاقتصادية والمعيشية، ما يجعل أي توتر ميداني غير مرشح للتصعيد في جميع الاحوال، عليه وفي ظل خصوصية الوضع الداخلي لجنوب السودان وما يعتريه من انقسامات سياسية وأمنية، فان لغة المصالح و التطبيع هي التي تغلب على المطالبات الشعبية بإعادة النظر في تلك العلاقة التي لها تفسيرات مغايرة لدى الانظمة و نخبها العسكرية.
هذا وقد أظهر بيان الجيش الحكومي في جنوب السودان، الصادر عشية المواجهات التي أسفرت عن مقتل أكثر من خمسة جنود وتشريد ما يزيد على 160 ألف مواطن، لغة سياسية واضحة تسللت بامتياز إلى خطاب المؤسسة العسكرية. فقد وصف البيان الجيشين بأنهما “قوتان شقيقتان”، في إشارة إلى الروابط التاريخية والمصالح المشتركة، مع الإعلان عن تشكيل لجان عسكرية مشتركة لبحث أسباب التوتر ووضع ترتيبات تهدئة مؤقتة تُخفف من حدة الغضب الشعبي. وجاءت هذه المقاربة لتعكس إدراكًا لحساسية الموقف، ومحاولة لاحتواء الأزمة ضمن أطر التعاون الأمني، رغم عمق الجراح التي خلفتها المواجهات في الميدان والشارع.
فحادثة كاجو كيجي لم تكن الأولى من نوعها في نزاع حدودي يعود إلى عقود، منذ تقسيم الحدود الاستعمارية بين السودان وبقية المستعمرات المجاورة. ورغم ذلك، اختارت جوبا معالجة الأزمة بأساليب مؤقتة أشبه بالمسكنات، حيث لم تُستأنف أعمال اللجان المشتركة لترسيم الحدود، كما لم تُبحث بدائل إقليمية أو دولية، مثل اللجوء إلى التحكيم الدولي، وهنا تجدر الإشارة إلى أن النزاعات المسلحة بين قوات البلدين تكررت في عدة مناطق حدودية، منها كاجو كيجي ونمولي، حيث أصدرت لجان إقليمية تقارير توثق وقوع اشتباكات متكررة، وانتهاكات بحق المدنيين، كما ترافق ذلك مع شكاوى من المجتمعات المحلية حول مصادرة أراضيها وإعادة تسميتها بأسماء جديدة، مما يعكس تغلغلًا مدروسًا يستغل هشاشة الوضع السياسي والأمني في جنوب السودان ، وفي ظل غياب رؤية وطنية واضحة لحل ملف الحدود، تزداد هذه التوترات حدة، مما يهدد الاستقرار الإقليمي في شرق إفريقيا.
في الوقت الذي تنظر فيه الحكومة بجوبا إلى علاقتها مع يوغندا كتحالف استراتيجي متين، قائم على اتفاقية دفاع مشترك تجلت بشكل واضح من خلال مشاركة القوات اليوغندية إلى جانب الحكومة في الحرب الأهلية عام 2013، ودعمها للعملية السياسية التي أدت إلى اتفاق السلام المتأرجح عام 2018، نجد الشارع الجنوبي في المقابل ينظر الى تلك العلاقة بشكل مغاير، حيث يُعتبر تدخلات يوغندا العسكرية في اراضيها استفزازًا يتجاهل حتى العلاقات التاريخية والاجتماعية بين الشعبين، وهو ما تعبر عنه الاحتجاجات و الانتقادات المتكررة لتدخلات يوغندا في الشأن الداخلي للبلاد، بالإضافة إلى مخاوف مجتمعات الحدود من سياسات إعادة التسمية ومصادرة الأراضي التي تهدد السيادة والهوية الوطنية.
كانت الخطوة الوحيدة التي اتخذتها يوغندا حيال الأزمة والتوترات الحدودية في كاجو كيجي، إرسال رئيس أركان جيشها الجنرال موهوزي كاينيروجابا (نجل الرئيس يوري موسيفيني)، إلى جوبا لإجراء مباحثات مع قيادات رفيعة في الجيش والحكومة، من بينهم الرئيس سلفاكير ونائبه للشؤون الاقتصادية الدكتور بنجامين بول ميل، هذه الزيارة أعادت التأكيد على أن القضية ستُحل عبر اللجان العسكرية المشتركة، مما يبين أن كمبالا لا تزال تتعامل مع الموضوع من منظور عسكري ، وليس كقضية سيادية حساسة تستوجب تدخل مستويات أعلى في السلطة.
وصل موهوزي الى جوبا مسارعا قبل ان يجف حبر تغريداته ذات اللهجة التهديدية على منصة “إكس”، والتي لم يفكر في الاعتذار عنها لشعب وحكومة جنوب السودان قبل ان يبدا جهود وساطة جديدة يقوم بها وحده كنوع من الجودية التي وان نجحت لا تنفي وجود الازمة من اساسها.
وبالنسبة للسلطات الحكومية في جوبا فالواضح انها تُفضل تأجيل معالجة قضايا النزاع الحدودي مع جميع جيرانها المحيطين، في ظل انشغالها المستمر بصراعات داخلية طويلة ومتحركة على السلطة، تتسم بتحولات دراماتيكية في تحالفاتها داخل البلاد وخارجها، و يعود هذا التأجيل إلى عدم تفرغ الحكومة بشكل كامل لأي رد فعل محتمل قد تترتب عليه آثار داخلية قد تزعزع من استقرارها، كما انها لاتزال تنظر بريبة إلى علاقاتها مع غالبية دول الجوار، فتارة تُعاملها في إطار الصداقة الحتمية وتارة أخرى تراها في موقع الخصم ، خاصةً في ظل ازمة الثقة والتوترات الإقليمية.
في ذات الوقع لازالت جوبا تحتفظ ببعض الود السياسي القديم في علاقتها مع دولة يوغندا رغم تقلبات الزمن ، غير أن هذا الود يكاد لا يخلو من هشاشة، ويواجه خطر الانهيار إذا ما استمر تجاهل الحكومة لقضايا النزاع الحدودي، فالتسويف وعدم التعامل الجدي مع هذه النزاعات قد يدفعها إلى مواجهة مباشرة مع الشارع الجنوبي الغاضب، خصوصًا في المجتمعات الحدودية التي تشهد يوميًا تزايدًا في خسارة أراضيها لصالح الطرف اليوغندي، هذه الخسائر المستمرة لا تثير فقط مشاعر الاستياء والغضب الشعبي، بل تُشكل تهديدًا حقيقيًا للهوية الوطنية والسيادة، كما انها تساهم بلا شك في تعقيد المشهد السياسي وتزيد من المخاطر الامنية على المدى البعيد.
إذا وضعنا في الاعتبار وجود تلك المصالح الاستراتيجية العميقة التي تربط جنوب السودان بيوغندا، فهل يعني ذلك قبول السكوت على الانتهاكات والتدخلات المتكررة من الجانب اليوغندي؟ يبدو أن تلك التصرفات الاخيرة التي قادت الى مواجهات كاجوكيجي مستوحاة من نهج جوبا نفسها في التعامل مع نزاعاتها الحدودية الأخرى، مثل تلك التي تواجهها مع السودان وكينيا، حيث تسود سياسة التأجيل والتمديد بدون حلول جذرية، علما بان الاعتماد الأحادي على أوغندا يضر بجنوب السودان كثيرا. لذلك، من الضروري فتح قنوات تعاون وبناء علاقات اقتصادية متنوعة مع بلدان أخرى ككينيا وإثيوبيا، من اجل تعزيز التوازن في المصالح والعلاقات، ويأتي هذا التوازن كرافعة لتحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة، بالإضافة إلى ذلك، يتطلب الوضع الراهن في دولة جنوب السودان تركيز الجهود على حل الأزمات السياسية الداخلية، والعمل على استدامة السلام، وتحقيق مصالحة شاملة، مع ضمان انتقال سلمي وديمقراطي يُجنب البلاد مخاطر النزاعات والتوترات التي لا تحتملها المرحلة الحالية.
ولتفادي تكرار أزمة الحدود بين جنوب السودان ويوغندا، يتوجب على جوبا تشكيل مفوضية قومية مستقلة للحدود تضم عدداً من الخبراء والمتخصصين في قضايا الحدود ونزاعاتها، ويجب أن تستفيد هذه المفوضية من التجارب السابقة، لا سيما اللجان التي ناقشت قضايا الحدود مع السودان، لتبني على ما تم إنجازه وتفادي الأخطاء السابقة. كما ينبغي أن يتم التفاوض بشأن ترسيم الحدود برعاية الاتحاد الإفريقي، لضمان حياد الأطراف ونجاح العملية التفاوضية، على ان تعمل المفوضية على بدء إجراءات واضحة وشفافة بالتعاون مع الجانب اليوغندي، بهدف التوصل إلى حلول دائمة تحفظ السيادة الوطنية وتعزز الأمن والاستقرار في المناطق الحدودية، بعيداً عن التدخلات المؤقتة والممارسات التي تفاقم التوترات.
ختاما، يتضح أن ملف النزاع الحدودي بين جنوب السودان ويوغندا ليس مجرد خلاف تقني أو نزاع على الأراضي، بل هو انعكاس لتاريخ طويل من العلاقات المعقدة والمصالح المتشابكة التي تتطلب معالجة جذرية وشاملة، كما إن الاستمرار في اعتماد الحلول المؤقتة والنهج الأحادي يعرض الأمن والاستقرار الإقليمي للخطر، ويزيد من معاناة المجتمعات الحدودية التي باتت تدفع ثمن النزاعات المتكررة. لذلك، لا بد من تبني رؤية وطنية واضحة للحل مع تفعيل دور الاتحاد الإفريقي كراعٍ محايد للتفاوض، الى جانب توسيع آفاق التعاون الإقليمي لتحقيق توازن في العلاقات المصيرية. هذا النهج المتكامل هو السبيل الوحيد لضمان سلام دائم، وحفظ سيادة جنوب السودان، وتحقيق استقرار ينعم به شعبه والمنطقة بأسرها.



